المحور الخامس: الانعكاسات الدولية – الجزء الثالث

القسم السياسي:
ب. العدوان لمدة 12 يوماً ودور إيران في دعم فلسطين
العدوان الصهيوني – الأميركي على إيران في حزيران/يونيو 2025، الذي تَرافق مع هجمات جوية وسيبرانية على البنى التحتية الحيوية لإيران، كان محاولة لإضعاف محور المقاومة ومنع استمرار دعم إيران للقضية الفلسطينية. إيران، التي عُرفت منذ عقود كداعِم رئيسي لفصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية، مثل حماس وحزب الله، كانت هدفاً مباشراً لهذا العدوان. ومع ذلك، جاء رد إيران عبر عملية “الوعد الصادق 3”، التي شملت إطلاق أكثر من 550 صاروخاً باليستياً و1000 مسيّرة على قواعد العدو الصهيوني مثل نفاتيم ومحطة عسقلان، ليُظهر العزم الراسخ لطهران على الدفاع عن نفسها والاستمرار في دعم المقاومة.
إيران، بخلاف كثير من الدول العربية، اتخذت موقفاً ثابتاً ومبدئياً تجاه القضية الفلسطينية. فمنذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، جعلت إيران دعم القضية الفلسطينية أحد أعمدة سياستها الخارجية. ولم يقتصر هذا الدعم على المساعدات العسكرية، مثل تزويد فصائل المقاومة بالصواريخ والتدريب، بل شمل أيضاً الدعم الدبلوماسي والإعلامي.
فعلى سبيل المثال، قامت قنوات إيرانية مثل برس تيفي والعالم بتغطية واسعة لجرائم الكيان الصهيوني في فلسطين ولبنان وسوريا، ولعبت دوراً بارزاً في توعية الرأي العام العالمي. وخلال عدوان حزيران/يونيو 2025، بثّت هذه القنوات صور الدمار الذي لحق بالكيان الصهيوني، مثل تدمير قاعدة نفاتيم، لتفند الروايات المضللة للإعلام الغربي والعربي الموالي.
كما أن إيران، من خلال التنسيق مع فصائل محور المقاومة، مثل أنصار الله في اليمن وحزب الله في لبنان، مارست ضغطاً متعدد الجبهات على الكيان الصهيوني. فقد استهدفت صواريخ أنصار الله ميناء أم الرشراش (إيلات)، فيما هدد حزب الله بفتح الجبهة الشمالية، ما أجبر الكيان على تشتيت موارده العسكرية وتقليص قدرته على التركيز ضد إيران. وهذا التنسيق يعكس الدور المحوري لإيران في الحفاظ على تماسك محور المقاومة، حتى في ظل سقوط بعض حلفائها مثل نظام بشار الأسد في سوريا.
ج. مواقف الأنظمة العربية: صمت، تواطؤ أم تطبيع؟
في مقابل صمود إيران، جاءت ردود أفعال الأنظمة العربية على العدوان الصهيوني – الأميركي على إيران في حزيران/يونيو 2025، بين الصمت والتواطؤ العلني. بعض الدول العربية، وخصوصاً تلك التي وقّعت اتفاقيات التطبيع مثل اتفاق أبراهام مع الكيان الصهيوني، لم تكتفِ بالامتناع عن إدانة الهجمات، بل قدّمت دعماً غير مباشر للعدوان. فبحسب تقارير إيرانية، سمحت بعض دول الخليج للطائرات الحربية الصهيونية باستخدام أجوائها لتنفيذ الهجمات على إيران. وهذا السلوك، الذي يُعتبر خيانة صارخة للتضامن العربي – الإسلامي، كشف عمق ارتهان بعض الأنظمة العربية للعدو وتخليها عن القضية الفلسطينية ومحور المقاومة.
الإعلام التابع لهذه الدول، مثل العربية والحدث، لعب دوراً في تبرير العدوان عبر التركيز على “خطر إيران” وتجاهل جرائم الكيان الصهيوني. وبثّت هذه القنوات تقارير حول “النفوذ الإيراني في المنطقة” و”التهديد الشيعي”، في محاولة لتعبئة الرأي العام العربي ضد إيران وتصوير العدوان الصهيوني كـ”دفاع عن النفس”. وهذا النهج، المدعوم بالمال والسياسة من بعض دول الخليج، عكس أولوية المصالح الاقتصادية والسياسية على حساب فلسطين.
إضافة إلى ذلك، عززت بعض الأنظمة العربية علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع الكيان، لتصبح شريكاً استراتيجياً له. فالعقود التسليحية والتعاون الاستخباراتي بين بعض الدول العربية والكيان، التي ازدادت في السنوات الأخيرة، كشفت تحولاً جذرياً من دعم فلسطين إلى التحالف مع العدو. وهو تحول جرى تحت ضغط أميركي ووعود اقتصادية، لكنه قوض محور المقاومة وتجاهل مشاعر الشعوب العربية المناهضة للصهيونية.
د. الدعم الشعبي: نبض الأمة العربية إلى جانب إيران
في حين تبنّت الأنظمة العربية موقفاً سلبياً أو خائناً إزاء العدوان الصهيوني – الأميركي على إيران، جاءت ردود الشعوب العربية مختلفة تماماً. فقد اندلعت تظاهرات واسعة في دول عربية عدة، مثل الأردن ولبنان والعراق واليمن، دعماً لإيران ومحور المقاومة. ففي عمّان، عاصمة الأردن، خرج أكثر من 100 ألف متظاهر تحت شعار: “إيران، فلسطين، مقاومة” للتنديد بالعدوان الصهيوني. وقد نقلت قنوات ثورية مثل الميادين هذه التظاهرات، مما أبرز الفجوة العميقة بين مواقف الشعوب والأنظمة الحاكمة.
في العراق، أعلنت فصائل المقاومة مثل كتائب حزب الله دعمها لرد إيران العسكري، وأكدت استعدادها للانخراط في العمليات ضد الكيان. وخرجت تجمعات في بغداد وكربلاء لتأكيد التضامن مع إيران. وفي اليمن، أطلقت أنصار الله صواريخها نحو ميناء أم الرشراش، دعماً لإيران وإثباتاً على وفاء الشعب اليمني للقضية الفلسطينية رغم سنوات الحرب والحصار.
حتى في الدول التي طبّعت مع الكيان، مثل مصر والإمارات والبحرين، خرجت احتجاجات متفرقة ضد العدوان على إيران. ورغم محدوديتها بسبب القمع الأمني، إلا أنها جسدت يقظة الضمير العربي أمام خيانة النخب الحاكمة. وعلى وسائل التواصل، مثل تلغرام وX، تصدرت الوسوم: #إيران_قوية و#فلسطين_حرة، وحصدت مقاطع التظاهرات والدعم الشعبي ملايين المشاهدات.
وهذا برهن أن الشعوب العربية، بخلاف أنظمتها، ما زالت وفية للقضية الفلسطينية ومحور المقاومة.
هـ. جذور الأزمة: النخب الحاكمة أم الثقافة السياسية؟
إن الجذر الحقيقي لخيانة بعض الأنظمة العربية لمحور المقاومة يكمن في الثقافة السياسية السائدة داخلها. فالكثير من القادة العرب يضعون بقاءهم في السلطة ومصالحهم الشخصية فوق مصلحة الأمة والقضية الفلسطينية. وهذا النهج، المعزز بالارتهان للقوى الغربية كأميركا، جعل بعض الدول العربية أدوات في يد الغرب لكبح إيران ومحور المقاومة. والاتفاقيات مثل “أبراهام”، التي شرعنت التطبيع مع الكيان، تجسد هذا الانحراف الاستراتيجي الذي حوّل فلسطين إلى ورقة للمساومات الاقتصادية والسياسية.
في المقابل، أثبتت الشعوب العربية أن وجدانها لا يزال حياً. فقد أظهرت موجة الدعم الشعبي لإيران أثناء العدوان الذي استمر 12 يوماً – سواء عبر التظاهرات الميدانية أو النشاط الإعلامي – أن القضية الفلسطينية ما زالت جرحاً مفتوحاً في وعي الأمة. وهذا الدعم، الذي بلغ ذروته في لبنان والعراق واليمن، أكد أن محور المقاومة بقيادة إيران لا يزال يحظى بثقة الشعوب رغم خيانة الأنظمة.
غير أن هذا التباين بين الشعوب والحكومات يطرح تحديات. فالقمع الأمني في بعض الدول، مثل البحرين، والرقابة الإعلامية في أخرى، مثل السعودية، أعاقا تحوّل هذه الموجة الشعبية إلى قوة سياسية مؤثرة. وهو ما يعكس الحاجة إلى تنظيم أكبر وفتح مساحات لتمكين صوت الشعوب في مواجهة خيانة الأنظمة.
الخاتمة
العرب، أو لنقل بعض الأنظمة العربية، لم يوجّهوا عداءهم إلى إيران فقط؛ بل اغتربوا عن ذواتهم، وانقلبوا على تاريخهم، وتخلوا عن قضيتهم المركزية: فلسطين. ففي عدوان حزيران/يونيو 2025، الذي استمر 12 يوماً، واجهت إيران وحدها الكيان الصهيوني، وردّت عليه بعملية “الوعد الصادق 3” رداً حاسماً.
في المقابل، سلكت الأنظمة العربية – وخاصة تلك التي طبّعت مع الكيان – طريق الصمت أو الدعم غير المباشر للعدوان. وهذه الخيانة، المتجذرة في مصالح النخب السياسية والاقتصادية، تعارضت كلياً مع مواقف الشعوب العربية التي عبّرت، عبر التظاهرات والنشاط الإعلامي، عن دعمها الثابت لإيران ومحور المقاومة.
إيران، رغم خلافاتها مع بعض الدول العربية، لا تزال شوكة في خاصرة المشروع الصهيوني – وهذا وحده يستحق التقدير. فالخيانة قد تكون مألوفة في السياسة، لكن الخيانة للقيم وللقضية الفلسطينية جريمة لا تُغتفر، وستبقى محفورة في ذاكرة الشعوب العربية.