القسم السياسي

لقاء ترامب وبوتين في ألاسكا: ليس نهاية لحرب أوكرانيا، بل رسم خطوط حمراء للشرق الأوسط والقوقاز وإعادة تشكيل جغرافية المنطقة

✍️ نجاح محمد علي، صحفي وباحث مختص بشؤون إيران والمنطقة:

 

في 15 أغسطس 2025، عقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين قمة تأريخية في أنكوراج، ألاسكا، والتي تم الإعلان عنها رسميًا كمحاولة لإنهاء الحرب في أوكرانيا. ومع ذلك، يشير التحليل العميق للقاء، بناءً على التسريبات والتصريحات اللاحقة والسياق الجيوسياسي الأوسع، إلى أن الهدف الحقيقي لم يكن حل الصراع الأوكراني فحسب، بل وضع “خطوط حمراء” صارمة لحروب الشرق الأوسط والقوقاز، مع رسم جغرافية مستقبلية للمنطقة تتناسب مع مصالح القوتين العظميين. هذا اللقاء، الذي انتهى دون اتفاق ملموس حول أوكرانيا، يعكس تحولًا في الاستراتيجية الأمريكية تحت قيادة ترامب نحو التركيز على الاقتصاد والنفوذ الإقليمي، بينما يسعى بوتين لتعزيز نفوذ روسيا في المناطق الحساسة مثل إيران وسوريا والقوقاز. 

 

فيما يلي تحليل مفصل لهذا اللقاء، مع التركيز على الجوانب الخفية والتداعيات الإقليمية.

 

السياق الرسمي: فشل في أوكرانيا أم تمهيد لصفقة أكبر؟

 

على السطح، ركز اللقاء على الحرب الروسية الأوكرانية، التي دخلت عامها الرابع دون أفق واضح للنهاية. ترامب، الذي هدد قبل اللقاء بفرض عقوبات إضافية على روسيا إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، أعلن بعد القمة أن “تقدمًا كبيرًا” قد تحقق، لكنه لم يقدم تفاصيل ملموسة. بوتين، من جانبه، أكد على ضرورة اتفاق شامل يشمل تنازلات أوكرانية عن الأراضي الشرقية، مع رفض وقف إطلاق النار الفوري. وفقًا لتقارير إعلامية، لم يتم التوصل إلى أي اتفاق، وغادر بوتين دون التزامات ملموسة، مما أثار انتقادات لترامب بأنه “تم لعبه” من قبل الزعيم الروسي. 

 

ومع ذلك، يشير التسريب الذي حدث بعد اللقاء – حيث ترك موظفون أمريكيون وثائق حساسة عن القمة في طابعة فندق في ألاسكا – إلى أن النقاشات امتدت إلى ما هو أبعد من أوكرانيا. الوثائق كشفت عن مناقشات حول “مسارات سلام” تشمل إعادة ترسيم حدود إقليمية، وهو ما يعكس اهتمامًا بإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية في مناطق أخرى. هذا يدعم الادعاء بأن أوكرانيا كانت مجرد “ورقة ثانوية”، بينما كان الهدف الرئيسي هو وضع حدود للتصعيد في الشرق الأوسط والقوقاز، حيث تتقاطع مصالح روسيا مع إيران وتركيا، ومصالح أمريكا مع الكيان الصهيوني و خليج فارس.

 

وضع الخطوط الحمراء في الشرق الأوسط: إيران كورقة تفاوض رئيسية

 

يُعتبر الشرق الأوسط محور التحليل الحقيقي لهذا اللقاء. ترامب، الذي يركز على “الصفقات” الاقتصادية، يرى في روسيا شريكًا محتملًا للحد من نفوذ إيران، خاصة في ظل التوترات التي خلفها العدوان الصهيوني على إيران. تقارير  تشير إلى أن بوتين حصل على “انتصار رمزي” من خلال فك عزلته الدولية، مقابل تسهيلات في أوكرانيا، لكن المناقشات الخفية ركزت على إيران كـ”ورقة تفاوض”. روسيا، التي وقعت اتفاقية استراتيجية مع إيران مؤخرًا، تسعى لمنع حرب أمريكية صهيونية على طهران، خوفًا من عدم استقرار حدودها الجنوبية والقوقاز.

 

في هذا السياق، يمكن تفسير اللقاء كمحاولة لوضع “خطوط حمراء” صارمة:

 

    • للكيان الصهيوني: ترامب أبلغ نتنياهو سابقًا بضرورة إنهاء حرب غزة سريعًا لتجنب استنزاف أمريكي، ورفض مشاركة واشنطن في أي هجوم على إيران دون اتفاق شامل. هذا يعني أن أي تصعيد من جانب الكيان اللقيط في لبنان أو سوريا قد يواجه حدودًا روسية أمريكية مشتركة. 
    • لإيران: بوتين يتوسط لاتفاق نووي جديد، يمنع تخصيب اليورانيوم مقابل استثمارات أمريكية هائلة (تصل إلى 4 تريليون دولار) في السوق الإيراني، مما يجعل طهران جزءًا من “صفقة ترامب” الاقتصادية بدلاً من عدو. 
    • للخليج الفارسي واليمن: اللقاء يمهد لإنهاء التصعيد في اليمن، حيث ثبت فشل الحاملات الأمريكية أمام الصواريخ اليمنية، مما يدفع ترامب للضغط على كيان الاحتلال  لوقف عدوانه الوحشي غزة كمخرج اقتصادي. 

 

هذه الخطوط الحمراء تهدف إلى تجنب حرب واسعة في الشرق الأوسط، التي قد تكلف أمريكا تريليونات وتضعف موقفها أمام الصين، بينما تحافظ روسيا على دورها في المنطقة وإيران.

 

إعادة رسم جغرافية القوقاز والمنطقة المستقبلية

 

القوقاز يمثل نقطة تقاطع أخرى. روسيا تسيطر على أجزاء من جورجيا وأذربيجان، وتدعم أرمينيا، بينما ترامب يسعى لاستثمارات في الطاقة هناك لمواجهة الصين. اللقاء ربما رسم خريطة مستقبلية تشمل:

    • تقسيم أوكرانيا جزئيًا، مع اعتراف ضمني بضم الشرق الروسي، كمقابل لاستقرار القوقاز. 
    • اتفاق على عدم تدخل غربي في جوار روسيا، مقابل دعم روسي لأمريكا في مواجهة إيران أو تركيا إذا لزم الأمر. 
    • إعادة ترسيم حدود في الشرق الأوسط، حيث تفقد فلسطين أو لبنان أراضٍ إضافية لصالح العدو الصهيوني ، مقابل صفقات اقتصادية مع روسيا وإيران. 

 

هذا الرسم يعكس فلسفة ترامب “الاقتصاد أولًا”، حيث يرى الوطن كسوق تجارية، لا كقيمة مقدسة، مما يعني خسائر إقليمية للعرب والأوكرانيين مقابل “سلام” اقتصادي.

 

التداعيات والمخاطر: عالم جديد أم كارثة قادمة؟

 

اللقاء يمهد لعالم متعدد الأقطاب، حيث تتقاسم أمريكا وروسيا النفوذ، مع إيران كورقة، وأوروبا وأوكرانيا كخاسرين رئيسيين. ومع ذلك، يحمل مخاطر: إذا فشل الاتفاق، قد تندلع حرب في الشرق الأوسط، مع روسيا تدعم إيران، وأمريكا إسرائيل. كما أن انحياز ترامب لإسرائيل قد يؤدي إلى كارثة عربية إضافية.

 

في الختام، لم يكن لقاء ترامب وبوتين نهاية لحرب أوكرانيا، بل بداية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط والقوقاز، مع خطوط حمراء تحمي مصالح الكبار على حساب الضعفاء. هذا يتطلب من الدول العربية استراتيجية حذرة لتجنب “مصيدة ترامب” الاقتصادية.

 

‏ما دلالات اختيار ألاسكا مكانًا للقمة؟

 

‏•رمزية تأريخية وجغرافية: ألاسكا كانت مستعمرة روسية إلى أن باعتها روسيا للولايات المتحدة عام 1867. من هنا، تعد نقطة جغرافية وثقافية تجسد ماضي الحوار والتعاون بين القوتين.   

 

‏•حماية قانونية لبوتين: بسبب وجود مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بحقه على خلفية الحرب في أوكرانيا، لا يمكن لبوتين دخول الدول الموقعة على نظام روما. الولايات المتحدة، غير معترف بها بهذه المحكمة، توفر مناخًا آمنًا لاختياره هذا الموقع.   

 

‏•موقع استراتيجي وقدرات دفاعية: قاعدة Joint Base Elmendorf-Richardson تُعد موقعًا عسكريًا حساسًا أمنيًا، وتطل على ممشى بحر بيرينغ المتكرر عليه تصادم للطائرات خلال الحرب الباردة. القاعدة تتيح بيئة محكمة لعقد اللقاءات الهامة.    

 

‏•الأولوية لتعزيز النفوذ الدبلوماسي: القمة في ألاسكا تسمح للولايات المتحدة بإظهار “الاستعداد للحوار”، وفي الوقت نفسه تقدم لبوتين مسرحًا دبلوماسيًا لإظهار استعادة مكانة بلاده على الساحة الدولية.    

 

‏ماذا يطمح كل طرف من هذه القمة؟

 

‏•أهداف ترامب:

 

‏•إبراز نفسه كـ”صانع سلام” قادر على إنهاء الحرب في أوكرانيا، وربما الترشح لجائزة نوبل للسلام.   

 

‏•الضغط على روسيا لتحقيق وقف لإطلاق النار أو ترتيبات أخرى لوقف التصعيد، مع التحذير من “عواقب اقتصادية قاسية” في حال فشل القمة.   

 

‏•اقتراح ترتيب قمة لاحقة بمشاركة الرئيس الأوكراني زيلينسكي كشرط لمزيد من التقدم.    

 

‏•أهداف بوتين:

 

‏•استخدام القمة رمزياً لتفكيك العزلة الدولية عن روسيا بعد 3.5 سنوات من الحرب.    

 

‏•تعزيز المكاسب الجيوسياسية، بما في ذلك منع أوكرانيا من الالتحاق بالناتو، وربما تثبيت الحدود الحالية لصالح روسيا.  

 

‏ردود الفعل والتحذيرات الدولية

 

‏•الجانب الأوكراني والأوروبي يحمّلان ترامب مسؤولية تجاهل صيغة “لا شيء عن أوكرانيا بدون أوكرانيا”، ويعارضون أي صفقة مهدّدة لسيادة أوكرانيا أو تتضمن تنازلات إقليمية.   

 

‏•بعض الأصوات الناقدة ربطت القمة بتحذير تأريخي بالاستسلام السياسي، مشبهين موقف ترامب بـ “تشرشل المهزوم” أو “اتفاق ميونيخ”، محذرين من تكرار أخطاء ما قبل الحرب العالمية الثانية.  

 

‏•ردة فعل مؤيدة في روسيا، حيث رأت القمة انتصارًا دبلوماسيًا لبوتين، رغم غياب صدور تراجع روسي واضح قبل اللقاء.   

 

‏•علامات رمزية إضافية: وزير الخارجية الروسي لافروف ظهر مرتديًا سترة عليها شعار الاتحاد السوفييتي (“СССР”)، في إشارة استفزازية إلى الطابع التأريخي والدوافع الاستعادية.  

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى