القمة الروسية الأمريكية: بين مصالح القوى الكبرى وصمود محور المقاومة الإيراني

نجاح محمد علي، صحفي وباحث مختص بشؤون إيران والمنطقة:
أثارت القمة الروسية الأمريكية بين الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس دونالد ترامب، التي عقدت في ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025، جدلاً واسعاً بين الأصدقاء والمحللين. يرى البعض أننا لم نغطِّ اللقاء بشكل كافٍ، مشيرين إلى أن المواضيع الرئيسية لم تكن أوكرانيا فقط، بل ربما القوقاز أو حتى الشرق الأوسط بأكمله. آخرون يؤكدون أن غزة والضفة الغربية ليست ضمن أولويات روسيا أو الصين، خاصة مع غياب الحراك العربي والإسلامي الفعال، مما يجعل هاتين القوتين لا تتجاوزان المطالبة بدولة فلسطينية شكلية.
وفي هذا السياق، يبرز دور مصر كالدولة الأكثر تأثراً بمحاولات التهجير التي يدفع بها بنيامين نتنياهو، مما يمس اتفاق كامب ديفيد وسيناء، ويطرح تساؤلات حول موقف أمريكا أكثر من روسيا. أما سوريا، فتبدو مهمة لروسيا بسبب قاعدتها البحرية في المتوسط، مع استعداد موسكو للمقايضة، بينما لبنان يُرى كمجال للصراع السعودي-الإيراني دون مصالح روسية حقيقية.
في هذا المقال، سنفحص هذه النقاط بدقة، مستندين إلى الوقائع والتحليلات المتاحة، لنصل إلى استنتاج يبرز صمود محور المقاومة الذي تقوده إيران كالقوة الوحيدة التي تدافع فعلياً عن قضايا المنطقة، مقابل مصالح القوى الكبرى التي تتجاهل فلسطين وتسعى لصفقاتها الخاصة. إيران، من خلال “محور المقاومة” الذي يشمل حزب الله في لبنان، حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، أنصار الله في اليمن، والفصائل الشيعية في العراق ،و المعارضة المتصاعدة في سوريا، تمثل الدرع الحقيقي ضد الاستعمار الاستيطاني الصهيوني و حلم “إسرائيل الكبرى” والتدخلات الغربية.
القمة الروسية الأمريكية: تركيز على أوكرانيا وصفقات النفط، لا الشرق الأوسط
بدءاً بالقمة نفسها، أظهرت التقارير أن اللقاء بين بوتين وترامب ركز بشكل أساس على الحرب في أوكرانيا، دون التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار. ذكر القوقاز بشكل مباشر كموضوع رئيس ، و بعض التحليلات تشير إلى إمكانية صفقات نفطية أمريكية-روسية مخفية، قد تمنح روسيا مليارات لتمويل حروبها.
هذا يعكس أولويات موسكو وواشنطن: الحفاظ على نفوذهما في أوروبا الشرقية والطاقة العالمية، لا دعم قضايا الشرق الأوسط.
روسيا، التي تدعي دعم الفلسطينيين، لم تتجاوز التصريحات الدبلوماسية، كما أن الصين تكتفي بالمطالبة بدولة فلسطينية شكلية دون تدخل عسكري حقيقي.
هذا الغياب عن المشهد الفلسطيني يؤكد أن: غزة والضفة ليست ضمن حسابات روسيا أو الصين، خاصة مع تقاعس العرب والدول الإسلامية. لكن هذا التقاعس لا يبرر الاستسلام؛ بل يبرز دور إيران كالقوة الوحيدة التي قدمت دعماً عملياً، من خلال تدريب المقاتلين وتوفير السلاح للمقاومة الفلسطينية. محور المقاومة، رغم تعرضه للضربات المتكررة، يظل متماسكاً، حيث أدى هجوم 7 أكتوبر 2023 إلى تعبئة متعددة الجبهات، شملت هجمات من لبنان واليمن والعراق.
فلسطين وغزة: إيران الداعم الرئيسي مقابل تقاعس الآخرين
فيما يتعلق بغزة، يبدو أن القمة لم تناقشها إلا بشكل هامشي، إن حدث.
نتنياهو يدفع لتهجير الفلسطينيين نحو سيناء، مما يهدد اتفاق كامب ديفيد ويجعل مصر المعنية الأولى. أما موقف أمريكا، فهو واضح: دعم للكيان الصهيوني مطلق، كما يظهر في الفيتوات المتكررة على قرارات وقف إطلاق النار في الأمم المتحدة. روسيا، من جانبها، لا ترى مصلحة في التدخل، مفضلة الحفاظ على قواعدها في المتوسط دون مواجهة {إسرائيل}.
هنا يبرز محور المقاومة كالبديل الفعال. إيران، منذ الثورة الإسلامية عام 1979، جعلت فلسطين قضية مركزية، معتبرة {إسرائيل} قاعدة “الاستكبار العالمي”. دعمها لحماس والجهاد الإسلامي لم يكن شكلياً؛ بل شمل تدريباً عسكرياً وتزويداً بالصواريخ والمسيرات و التقنية لصناعتهما، مما مكن المقاومة من الصمود أمام الإبادة الجماعية في غزة. رغم سقوط نظام الأسد في 2024 وتعرض حزب الله لخسارة كبيرة بعد استشهاد السيد حسن نصر الله، يظل المحور قادراً على الإزعاج الاستراتيجي، كما في هجمات أنصار الله على السفن التابعة أو الداعمة للكيان الصهيوني في البحر الأحمر.
سوريا: روسيا تهتم بقواعدها، لكن إيران هي الدرع الحقيقي
أما سوريا، فهي مهمة لروسيا بسبب قاعدتها في طرطوس على المتوسط، وهي مستعدة للمقايضة مع “الشرعية” (ربما إشارة إلى النظام السوري أو الترتيبات الجديدة). تركيا، كما ذكر، أوعزت لوزير خارجية النظام الطلب من روسيا مساعدة في دوريات جنوبية دون إزعاج الكيان اللقيط. موضوع “قسد” (القوات الكردية) أمريكي بالأساس، وفي حال الفدرالية، قد تهتم موسكو بأمن الساحل.
لكن الواقع يظهر أن إيران كانت الداعم الأكبر لسوريا ضد الإرهاب والتدخلات الخارجية. خلال الحرب السورية، أنفقت إيران مليارات وفقدت آلاف الشهداء لدعم دمشق، مما شكل “تحالف 4+1” مع روسيا وحزب الله. رغم سقوط الأسد، يظل محور المقاومة مهتماً بأمن الساحل، حيث يمثل حزب الله في لبنان، و المعارضة السورية داخل سوريا قوة محلية قوية. إيران لن تتخلى عن سوريا، فهي جزء أساسي من “المحور” الذي يواجه الإمبريالية.
لبنان: مجال صراع، لكن حزب الله يمثل المقاومة الحقيقية
في لبنان، يصلح البلد للمقايضة الاستثمارية، لكن روسيا لا تعول عليه سياسياً، معتبرة إياه مجال صراع سعودي-إيراني دون مصالح لها. هذا صحيح جزئياً؛ فالصراع بين السعودية وإيران يهيمن، لكن حزب الله، كجزء من محور المقاومة، يظل القوة الأقوى داخلياً وإقليمياً. رغم الضربات كيان الإحتلال في 2024، التي أدت إلى استشهاد سماحة السيد نصر الله، أعاد حزب الله تنظيم صفوفه، محافظاً على دعم شعبي واسع بفضل دوره في مواجهة الاحتلال منذ 1982.
إيران تدعم حزب الله ليس للسيطرة، بل لتعزيز “الوحدة الميدانية” ضد العدو الصهيوني الذي يهدد الأمن القومي العربي برمته . هجمات حزب الله المساندة لغزة منذ أكتوبر 2023 أثبتت فعالية المحور، رغم الخسائر. لبنان ليس “حيزاً غربياً” كما يُقال؛ بل هو ساحة مقاومة كبرى تتحدى الاستعمار.
إيران محور المقاومة، الدرع الوحيد للمنطقة
في النهاية، تكشف القمة الروسية الأمريكية عن مصالح القوى الكبرى: أوكرانيا والنفط أولوية، بينما فلسطين وسوريا ولبنان هامشية. روسيا تهتم بقواعدها، أمريكا تدعم كيان الاحتلال الاستيطاني الذي يتمدد نحو رؤية ” إسرائيل الكبرى” ، والعرب يتقاعسون. مقابل ذلك، تقف إيران كقوة مقاومة حقيقية، تدعم فلسطين عملياً رغم الضربات. محور المقاومة، رغم التحديات، يحتفظ بدعمه الشعبي والقدرة على الإزعاج الاستراتيجي، مؤكداً أن المستقبل للمقاومين لا للمتفرجين.