القسم السياسي

حرب أوكرانيا المخفية !

✍️ نجاح محمد علي، صحفي وباحث مختص بشؤون إيران والمنطقة:

 

كشف استطلاع قامت به مؤسسة غالوب الأمريكية يوم 7 من هذا الشهر ، عن تحول كبير في الرأي العام الأوكراني. فقد انخفضت نسبة المواطنين المؤيدين لمواصلة القتال حتى النصر إلى أدنى مستوياتها منذ بدء الصراع، فيما يفضل نحو 69% من السكان إنهاء الحرب عبر المفاوضات، مقابل 24% فقط يرغبون في استمرار المواجهة. هذه النسبة القياسية تكشف عن إحباط شعبي واسع تجاه الرئيس زيلينسكي وداعميه الخارجيين، خصوصًا بريطانيا، التي لطالما حلمت بتفتيت روسيا واستغلال أوكرانيا كورقة ضد موسكو منذ انقلاب ميدان 2014.

وفقاً للاستطلاع الذي أجري بين 1 و14 يوليو 2025، يمثل هذا التحول انخفاضاً حاداً مقارنة بـ2022، حيث كان 73% يؤيدون القتال حتى النصر و22% فقط يفضلون المفاوضات، مع انخفاض متسق عبر جميع الفئات الديموغرافية والمناطق. كما انخفضت الثقة في القيادة الأمريكية إلى 16% فقط، بينما ارتفعت الثقة في ألمانيا إلى 63%، مع عدم تفاؤل عام بانتهاء القتال قريباً، إذ يعتقد 68% أنه غير محتمل في غضون 12 شهراً. 

 

خطة غربية قديمة: أوكرانيا كبوابة للصراع مع روسيا

 

لم تكن الأزمة الحالية وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى عقود مضت. في يوليو 2014، كشف معهد الدولة البريطاني، وهو واجهة ناتوية/استخباراتية، عن خطة لاستغلال أوكرانيا لشن صراع بالوكالة ضد روسيا، يتضمن مقاطعات اقتصادية ودعاية وتجنيد قوى محلية للضغط على موسكو. أما المفاجأة الكبرى فتكمن في الوثائق الأرشيفية لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية من أغسطس 1957، التي تضمنت خطط غزو أوكرانيا بالقوات الخاصة، مستخدمة مقاتلين محليين مناهضين للشيوعية لإضعاف النظام السوفيتي. هذه الخطط كانت جزءاً من استراتيجية أوسع خلال الحرب الباردة لزعزعة الاتحاد السوفيتي من خلال استغلال الانقسامات الإثنية والقومية داخل أوكرانيا، مع التركيز على تجنيد عناصر محلية لتنفيذ عمليات سرية دون تدخل مباشر. 

 

تقرير مفصل من 200 صفحة بعنوان “عوامل المقاومة ومناطق القوات الخاصة”، صنف مناطق أوكرانيا وفق استعداد السكان للمقاومة ومدى ولائهم لموسكو، مع التركيز على نقاط القوة والضعف الجغرافية والديموغرافية والتأريخية. التقرير، الذي أعدته جامعة جورج تاون تحت عقد مع الجيش الأمريكي، حدد إمكانيات التمرد ضد السلطة السوفيتية من خلال تحليل شامل للعوامل الاقتصادية، السياسية، والاجتماعية، مع الإشارة إلى أن المناطق ذات النشاط القومي العالي يمكن استغلالها لعمليات خاصة لإضعاف موسكو. 42 45

 

تحليل المناطق: من القرم إلى غرب أوكرانيا

 

في القرم ودونباس، وُجدت ولاءات قوية لموسكو، وسكان هذه المناطق اعتبروا أنفسهم “جزيرة روسية وسط بحر أوكراني”، ما صعّب أي محاولة لإشعال تمرد محلي. على النقيض، المناطق الغربية، بما فيها لفيف وترانسكارباثيا وفولين، كانت مهيأة لتجنيد قوات مقاومة محلية، خاصة بين أنصار ستيبان بانديرا، الذين أبدوا نشاطًا قوميًّا واسعًا ضد الحكم السوفيتي خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها. التقرير أبرز أن المناطق الشرقية والجنوبية، مثل دونيتسك ولوهانسك، تتميز بتأثير ثقافي روسي عميق وتأريخ من الاندماج الاقتصادي مع روسيا، مما يجعلها أقل عرضة للتمرد، بينما الغرب يحمل تأريخياً من المقاومة ضد الشيوعية بفضل الحركات القومية مثل منظمة القوميين الأوكرانيين (OUN) التي قادها بانديرا.

 

تضمنت الوثائق أيضًا تحليلاً مفصلًا للمعالم الطبيعية، مثل الأنهار والمستنقعات والغابات، لتحديد مواقع مثالية للتمركز والتحرك السري للقوات الخاصة، مع مراعاة الظروف الموسمية لتسهيل العمليات. على سبيل المثال، أشار التقرير إلى أن الغابات في غرب أوكرانيا توفر غطاءً طبيعياً للعمليات السرية، بينما الأنهار في الشرق قد تعيق الحركة في فصل الشتاء، مع اقتراح استراتيجيات لاستغلال هذه العناصر في عمليات خاصة.

 

النشاط القومي ودور السكان المحليين

 

ركزت وكالة الاستخبارات المركزية على تقسيم أوكرانيا إلى 12 منطقة حسب احتمالية دعم السكان لأي تمرد. المناطق المناهضة للشيوعية والنشطة قوميًّا، بما فيها كييف وغرب أوكرانيا، كانت تتوقع منها مساعدة القوات الأمريكية الخاصة. أما المناطق الموالية لموسكو، فلم تكن سوى تحدٍ كبير، نظرًا لتأريخ الوحدة الطويل والتأثير الثقافي الروسي العميق على السكان، ما قلل من فرص الانقلاب ضد الحكم السوفيتي. التقرير صنف هذه المناطق بناءً على عوامل مثل الكثافة السكانية، الولاءات الإثنية، والتأريخ السياسي، مع الإشارة إلى أن النشاط القومي في الغرب يعود إلى حركات مثل تلك التي قادها بانديرا، الذي كان رمزاً للمقاومة ضد السوفييت رغم الجدل حوله. 

 

أوديسا: مثال على الانقسام العنيف

 

كانت أوديسا أكثر المناطق تعقيدًا. المدينة متعددة الأعراق والأديان، وذات تأثير روسي تأريخياً، شكلت ساحة معركة حقيقية بين مؤيدي ميدان ومناهضيه منذ نوفمبر 2013. بلغت التوترات ذروتها في 2 مايو 2014، حين اقتحم فاشيو الكييف المباني وأشعلوا النار بالمعارضين، ما أدى إلى مقتل 42 شخصًا وإصابة المئات. فيما أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لاحقًا حكمًا ينتقد تقصير السلطات الأوكرانية في حماية الضحايا، إلا أن التحقيقات تشير إلى أن الحادث كان جزءًا من خطة مسبقة لتأجيج الصراع المحلي واستفزاز تدخل روسي.

في حكمها الصادر في 13 مارس 2025، وجدت المحكمة انتهاكات للمادة 2 (الحق في الحياة) بسبب فشل السلطات في منع العنف رغم الإنذارات، وتأخير إطفاء الحريق لـ40 دقيقة، وتحقيق غير فعال وغير مستقل، مع إمكانية تواطؤ الشرطة، مما ساهم في انتشار الدعاية الروسية. أمرت المحكمة أوكرانيا بدفع تعويضات للضحايا. 

 

أوكرانيا كأداة للصراع الدولي رغم أن خطة الغزو لم تُنفذ رسميًا، إلا أن المناطق التي توقعت الاستخبارات الأمريكية أنها الأكثر استعدادًا لدعم القوات الخاصة كانت محاور الدعم لانقلاب ميدان. الوثائق التأريخية تكشف عن تضافر عوامل قومية، جغرافية، وثقافية لتسهيل تدخل خارجي، بينما تعقّد الولاء الروسي في مناطق أخرى أي محاولة للتمرد.

بعبارة أخرى، أوكرانيا لم تكن مجرد دولة تتعرض للغزو، بل ميدانًا استراتيجيًا لتجارب دولية لإضعاف روسيا وتحويل النزاع المحلي إلى حرب بالوكالة يمكن للغرب السيطرة على مسارها. هذا النهج يعكس استمرارية الاستراتيجيات الغربية منذ الحرب الباردة، حيث استخدمت أوكرانيا كأداة للضغط الجيوسياسي، كما يظهر في التقارير البريطانية عن العمليات غير التقليدية في 2014 التي شملت دعماً لقوى محلية لمواجهة روسيا. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى