محور السادس: مستقبل المعركة وتداعياتها «الجزء الأول»

القسم السياسي:
١. التحليل الاستراتيجي: هل تغيّرت قواعد المعركة؟
العدوان الصهيوني – الأمريكي على إيران في يونيو ٢٠٢٥، الذي استمرّ لمدة ١٢ يوماً واستهدف المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية، كان نقطة فاصلة في المواجهة بين إيران وأعدائها وحدث تحولاً أساسياً في قواعد المعركة في الشرق الأوسط وما بعدها. هذا العدوان، الذي رافقه هجمات جوية وسيبرانية وإعلامية، أظهر أن الحروب الحديثة ليست عسكرية فحسب، بل تلعب الأبعاد النفسية والمعلوماتية والاتصالية دوراً فيها أيضاً. وردّ إيران بعملية «الوعد الصادق ٣» التي شملت إطلاق أكثر من ٥٥٠ صاروخاً باليستياً و١٠٠٠ طائرة مُسيّرة على أهداف استراتيجية، عرض قدرة طهران على إعادة تعريف قواعد المعركة.
أ. تغير طبيعة المعركة: من حربٍ عسكرية إلى حربٍ مركّبة
تطوّر التكنولوجيا العسكرية والسايبَرية:
استعان الكيان الصهيوني بدعمٍ أميركي بتقنيات متقدمة مثل مقاتلات الشبح F-35 وبرمجيات خبيثة شبيهة بـ«ستاكسنت» للهجوم على نطنز وفردو. لكن الرد السيبراني الإيراني، بما في ذلك تعطيل شبكة كهرباء حيفا والتغلغل في رادارات العدو، أظهر أن التوازن السيبراني في طريقه إلى التغير لصالح طهران.
الحرب الإعلامية والنفسية:
وسائل إعلام مثل بي بي سي الفارسية وCNN والعربية والحدث، بهدف إضعاف معنويات الإيرانيين، نشرت أخباراً مشوّهة عن «هزيمة إيران». وإيران، بالاستفادة من شبكات المقاومة والفضاء الإلكتروني، نجحت في تقديم رواية قوية للمقاومة.
التنسيق متعدد الأطراف لمحور المقاومة:
حزب الله وأنصار الله وجماعات المقاومة، بتزامن جاهزيتها وتهديدها لعدة جبهات، أجبرت الكيان الصهيوني على تقسيم موارده وقبول خوض الحرب في عدة جبهات. هذا يدلّ على بداية عصر المعركة الشبكية ذات قابلية تحرك عالية واستدامة.
ب. رد إيران: إعادة تعريف قواعد المعركة
الردع الفاعل:
استهداف قواعد مثل نفاتیم ومحطة عسقلان بصواريخ «خېبر» و«فاتح ١١٠» يدلّ على قدرة إيران على الردّ السريع والفعّال. وتشير التقارير إلى نجاح هذه الضربات بنسبة تزيد عن ٦٠ بالمئة في تدمير الأهداف.
التغلغل في منظومات الدفاع المتقدمة:
أدى اتباع استراتيجية التشبّع الصاروخي إلى إظهار عجز منظومات الدفاع مثل «القبة الحديدية» و«فلاخن داوود» وتهاوي الثقة الداخلية في النظام.
حرب سيبرانية متقابلة:
تعطّل الإنترنت لمدة ١٢ ساعة في حيفا ويافا المحتلّتين وخسائر تجاوزت ٥٠٠ مليون دولار جرّاء هجمات سيبرانية أظهرت أن لإيران كلمة أيضاً في مجال الحرب السيبرانية.
ج. التداعيات الإقليمية: تعزيز محور المقاومة
ترسيخ مكانة إيران:
نجاح عمليات إيران وقدرتها على صدّ الجزء الأكبر من الهجمات السيبرانية جذب دعم دول حيادية مثل عمان، وعمّق موقف طهران كقائد إقليمي.
الضغط على الأنظمة المطبّعة:
أظهرت التظاهرات الشعبية في الأردن ولبنان، التي ضمّت أكثر من ١٠٠ ألف شخص، اتساع الهوّة بين الشعوب وحكوماتها في قضية فلسطين.
تفعيل جبهات جديدة:
تعاون حزب الله وأنصار الله وجماعات المقاومة العراقية أدّى إلى إشغال الكيان في عدة جبهات. وإنقطاع الإنترنت في حيفا والهجمات على ميناء إيلات جعلت اقتصاد الكيان أكثر عرضة للضرر.
د. التداعيات العالمية: تحدّ لهيمنة الغرب
الدعم العالمي لإيران:
كانت التظاهرات في نيويورك وبرلين ولندن تحت شعار «كفّوا أيديكم عن إيران» دليلاً على تغيير في الرأي العام وظهور انقسام في المجتمعات الغربية تجاه الروايات الرسمية.
كشف مشروع «آتو»:
بكشف إيران عن وثائق تتعلق ببرنامج نووي سري في ألمانيا، طعنت بمشروعية الوكالة الدولية للطاقة الذرية وكشفت ازدواجية المعايير الغربية.
بروز كتلة مناهضة للغرب:
تزايد التقارب بين إيران من جهة وكل من الصين وروسيا وتنديد هذين البلدين بالتجاوزات الأخيرة أسهم في ترسيخ جبهة عالمية مقابلة للغرب تُشكّل تحدّياً للنظام أحادي القطب.
هـ. مستقبل المعركة: السيناريوهات المحتملة
تصاعد الحرب السيبرانية:
مع تقوّي إيران في المجال السيبراني، يُتوقع أن تمتدّ حروب المستقبل بشكل أكبر إلى البُنى التحتية الاتصالية والرقمية.
توسع محور المقاومة:
إمكانية تفعيل جبهات من قبل محور المقاومة قد تؤدي إلى تشتت قوات العدو وإضعافها بصورة مستمرة.
ضغط دبلوماسي أوسع:
قد تستغل إيران المكاشفات القادمة للحصول على تنازلات على مستوى دبلوماسي، رفع العقوبات أو تقييد أدوات نفوذ الغرب…
تشكّل الحركة العالمية للمقاومة:
يمكن اعتبار الحضور المعنوي لشعوب الغرب والعالم العربي في مسيرات عاشوراء ٢٠٢٥، مصحوباً بشعارات «لبيك يا خامنئي»، مقدّمة لبداية حركة عالمية مناهضة لهيمنة الغرب.
الجزء الثاني: التحليل الاستراتيجي لردع إيران المستقبلي ومحور المقاومة
أظهر عدوان يونيو ٢٠٢٥ أن ردع إيران ارتقى إلى مستوى جديد.
عملية «وعد صادق ٣» مصحوبة بردود دبلوماسية وسيبرانية وشعبية، كشفت عن هيكل جديد للردع:
أ. الردع متعدد الأبعاد لإيران
القدرة العسكرية الدقيقة:
الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، بعبورها منظومات دفاع النظام، بعثت رسالة واضحة حول ضعف تلك المنظومات.
الخلل السيبراني:
قطع الإنترنت، التغلغل في الأنظمة العسكرية وخسائر بمليارات لدى العدو، حوّلت العامل السيبراني إلى العمود الثالث للردع.
الفضح المعلوماتي:
مشروع «آتو» والتهديد بنشر مزيد من الوثائق، أدى إلى زعزعة الحسابات الدبلوماسية لأوروبا والغرب وصار أداة استراتيجية.
ب. محور المقاومة: من التشتت إلى الانسجام
تفعيل جبهات متعددة:
التهديد على الجبهة الشمالية من قبل حزب الله وهجمات أنصار الله الصاروخية على ميناء إيلات أبقت النظام في حالة طوارئ.
التآزر بين جماعات المقاومة:
إعلان جاهزية مجموعات مثل كتائب حزب الله للدخول إلى الميدان عزز الردع الإقليمي ورفع كلفة أي عدوان مستقبلي…