ممرّ زنغزور؛ بوّابة إلى أزمة جديدة في القوقاز

حبيب الله بابايي، الخبير في الشؤون السياسية في منطقة القوقاز:
ما جرى قبل أيام في البيت الأبيض بين أرمينيا وأذربيجان، أثبت مرة أخرى أن ممر زنغزور ليس حاجة لأذربيجان بقدر ما هو مشروع استراتيجي للولايات المتحدة وحلف الناتو. فمنذ نهاية حرب قره باغ وأنا أحذر من مخاطر هذا الممر المشؤوم الذي اعتبره كثيرون مجرد تحليل شخصي، لكنه اليوم بات حقيقة واقعية لا يمكن إنكارها.
زنغزور ليس ممراً عادياً؛ إنه “الربيع العربي للقوقاز”. وكما كانت حرب أوكرانيا نتيجة توسع الناتو نحو حدود روسيا، فإن الإصرار اليوم على أن يمر هذا الممر من جنوب أرمينيا يكشف عن أهداف بعيدة: مشروع طويل الأمد يستهدف تفكيك إيران وروسيا والصين.
هذا الممر لا يهدد أمن القوى الإقليمية الثلاث الكبرى فحسب، بل يمهد لحروب طويلة في آسيا الوسطى. في مرحلته الأولى، يسعى لتأمين البنية التحتية لنقل النفط والغاز من أذربيجان وتركمانستان وكازاخستان، وفتح الطريق أمام دخول قوات الناتو إلى القوقاز. الهدف النهائي هو دفع روسيا وإيران والصين إلى حروب داخلية وقومية مدمرة.
زنغزور ليس جسراً بين نخجوان وأذربيجان فقط، بل هو ممر غربي-طوراني صهيوني؛ فتنة رسمتها دوائر الناتو وبريطانيا. ومن المؤسف أن بعض المسؤولين يزعمون أن أرمينيا وأذربيجان راعتا حساسيات إيران، بينما الحقيقة أن الممر سيُسلَّم للناتو، بل إن سيادة أذربيجان وأرمينيا وجورجيا جميعاً ستخضع في النهاية للناتو، تماماً كما حدث في أوكرانيا.
الغرب يريد المنطقة كلها: أرمينيا وأذربيجان وجورجيا. وزنگزور جزء من مشروع أكبر لتجاوز إيران وروسيا في الممرات التجارية وتأمين المصالح الصهيونية-البريطانية في القوقاز. هذا الاتفاق هو أول دخول رسمي لأمريكا إلى القوقاز بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بعقد إيجار مدته 99 عاماً. وتجارب التاريخ تُثبت أن مثل هذه الاتفاقات لا تجلب سوى التفكك والفوضى؛ كما حدث في أفغانستان وباكستان حين مهّد الإنجليز الطريق لنشوء طالبان والقاعدة.
اليوم هذا الممر لا يهدد أمن إيران وروسيا فقط، بل يهدد أيضاً التجارة والاتصال بين الصين والهند. وإذا أُسند تشغيله لشركات أمريكية، ستتنصل أرمينيا من المسؤولية بحجة أنه “مستأجر للأمريكيين”. كل ذلك يحدث في وقت تزداد فيه شعبية إيران على الساحة الدولية، ولا يجوز أن تُحبس في قضايا داخلية تافهة.
صحيح أن الاتفاق قد يوقف مؤقتاً النزاع بين أذربيجان وأرمينيا، لكنه في حقيقته مقدمة لحرب طويلة بين الشرق والغرب تستهدف قلب إيران وروسيا. وفي هذا المسرح تلعب حكومات باكو ويريفان دور “صافرة الحكم” و”المستأجر للغرب”. على إيران أن تنظر إلى أفعالهم لا إلى أقوالهم؛ فالنوايا لا تتغير وإنما الأقنعة هي التي تتبدل.
الولايات المتحدة تريد أن تتحكم بممر زنغزور من آلاف الكيلومترات، فيما شعوب المنطقة غافلة عن حجم الكارثة. فهل إيران وروسيا عاجزتان عن إدارة هذا الممر؟ اتفاق باشينيان قد يكون قانونياً ضعيفاً، لكنه عملياً يعكس توجه أرمينيا نحو الغرب وسعيها للتحرر من روسيا وضمان بقائها السياسي.
إيران يجب أن تطالب بحصتها من هذا الممر المزعوم. الدبلوماسية الإيرانية مطالبة بأن تُظهر قوة إيران كقوة إقليمية لا أن تعكس صورة ضعف. يجب أن تتصرف الدولة كلاعب محوري قادر، وألا تسمح لأرمينيا وأذربيجان بأن يتحديا “الدب الروسي” و”الأسد الإيراني”. وكما أن الدب التهم عسل أوكرانيا، فإن الأسد الإيراني قادر على ترويض صحراء القوقاز.
اليوم أبواب الجحيم فُتحت على تركيا وسوريا. فتركيا على وشك التفكك، وهي في سوريا ليست سوى “حصان مُسرّج” بيد الغرب. التساهل مع القوقاز انتهى؛ وأي تقصير وقع يجب أن يُصحح وأن تُستعاد المبادرة.
زنغزور ليس مجرد ممر؛ إنه بداية معادلة جديدة: إما أن توحّد الشرق أو تدفعه إلى أتون الانقسام والحروب الداخلية. والاختيار بات بأيدينا.