القسم السياسي

“حزب الله ورئاسة الجمهورية: بين الدقة وابتعاد الخطأ”

✍️ حوراء المصري:

 

تمتلك الساحة اللبنانية تنوعًا طائفيًا وسياسيًا كبيرًا، لذلك يعد منصب رئيس الجمهورية مهمًا جدًا فهو ليس مجرد موقع دستوري بل قوة سياسية تعمل على خلق التوازن والاستقرار بين المكونات السياسية والطوائف المختلفة في الداخل اللبناني. مر على لبنان الكثير من الرؤساء فمنهم من كان داعمًا للمقاومة وآخرون ضد النهج المقاوم، لذلك حزب الله كان وسط هذه المعادلة المعقدة بل ولعب دورًا مهمًا في التوفيق بين حماية الوسط اللبناني ومن جهة أخرى إبقاء لبنان ضمن محور المقاومة، لكن التحدي الأبرز يتمثل في اختيار رئيس يحفظ المقاومة ويحمي وحدة لبنان، لذلك السؤال الذي يطرح نفسه: كيف واجه حزب الله هذا التحدي؟ وما الدروس التي تعلمها من تجاربه السابقة بشأن الرئاسة؟

 

“إميل لحود….. شجاعة ووفاء”

 

تولى إميل قيادة بعبدا عام 1998، بعد أن كان قائدًا للجيش، يحمل سمعة طيبة، فتميز بالانضباط في القيادة، وربط المؤسسة العسكرية بالدولة، وصل لحود في مرحلة إقليمية حساسة، فكان الكيان يسيطر على أجزاء من جنوب لبنان. أظهر لحود منذ اليوم الأول دعمه للمقاومة معتبرًا ملف المقاومة جزءًا مهمًا في السياسة اللبنانية.

 

“لحود عاملًا مهمًا في تثبيت شرعية المقاومة ضمن المعادلات الرسمية”

 

وطد إميل علاقته مع المقاومة معتبرًا إياها الوسيلة الوحيدة لاستعادة السيادة ولا سيما عند وجود الاحتلال، دعا في الكثير من خطاباته إلى وجوب التكامل بين المقاومة والجيش اللبناني، فالجيش الذي يعد العمود الفقري للوطن، والمقاومة كقوة ردع أمام اعتداءات الكيان الصهيوني، هذا الأمر لم يكن مجرد رأي يطرح وإنما سياسة تنفيذية عمل عليها لحود والتي تضمنت: منع أي صدام أمني مع المقاومة بل عمل على تسهيل عملها، وإبعاد المؤسسات عن الصراعات الداخلية بشأن سلاحها، وفي المقابل التزام المقاومة بقواعد داخلية تحمي الاستقرار.

مر حكم لحود بالكثير من المراحل المفصلية والتي زادت من ثقة المقاومة تجاهه، ففي حرب 2000 وفر لحزب الله غطاء سياسيًا صلبًا في مرحلة ما قبل وأثناء وبعد الحرب، فكرس فكرة أن ثمرة التحرير تعود لجهود المقاومة. لم يكتف لحود بهذا الموقف بل عندما واجه لبنان ضغطًا دوليًا يهدف لوضع حزب الله على قائمة الإرهاب، فتبنى إميل هذا الأمر عبر خطابه الذي وضح من خلاله الفرق بين التنظيم كجزء من السياسة اللبنانية وبين مشروعية المقاومة ضد الاحتلال مما وفر مظلة سياسية وأخلاقية لحزب الله في الداخل والخارج اللبناني، هذا الموقف أدى لتقوية العلاقة بين لحود والمقاومة.

“لحود والقرار 1559: تفجير الانقسام الداخلي” واجه لحود انقسامًا داخليًا ولا سيما بعد صدور القرار 1559، والذي نص على سحب سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وطرد القوات الأجنبية، فتمسك إميل علنًا بسلاح المقاومة ورفض أي محاولة تفضي إلى سحب السلاح مبينًا أن هذا السلاح ما هو إلا وسيلة دفاع عن حدود لبنان، ولا يشكل أي خطر على الشعب، ما جعل منصب الرئاسة صدًا بوجه من يطمح لكسر المقاومة سواء من الداخل أو الخارج.

 

“اغتيال الحريري ومطالب باستقالة إميل”

 

في عام 2005 وبعد أن اغتيل رفيق الحريري والذي أدى لخروج الجيش السوري من لبنان، تعرض لحود لضغوط غير مسبوقة مطالبة باستقالته مع ذلك حافظ على الاستقرار، ومنع أي تصادم مع المقاومة.

 

“الرئيس الذي لم يخذل حزب الله”

 

اعتبر حزب الله لحود رئيسًا مقاومًا وطنيًا فهو لم يساوم على سلاحها مقابل مكاسب شخصية، ظل خطابه وممارسته متطابقين في المحطات كلها رغم الضغوط الداخلية والدولية، فضلًا عن نجاحه في إبقاء الخلاف السياسي حول المقاومة في إطار سياسي وإعلامي ومنع تحوله لصدام داخلي يعمل على زعزعة الشارع. إن نجاح لحود في شرعنة الردع الوطني عبر تحويل التعاون بين الجيش والحزب إلى نهج عملي، وفر للمقاومة حماية من الصراعات الداخلية وساعده في إدارة حربه مع إسرائيل بكل سلاسة بلا بلبلة داخلية مدمرة، عرف حزب الله أن اختيار الرئيس المناسب يتيح له قوة إستراتيجية وتحمي الداخل من موجات الضغط الدولية.

 

إن هذه المرحلة الذهبية التي قادها إميل لحود بكل شرف ووئام، لم تدم طويلًا، انتهاء فترة لحود جعلت من حزب الله يمر باختبارات صعبة فلم تتكرر هذه الرئاسة والانسجام مع المقاومة فتحول هذا المنصب من “دولة حامية” إلى “دولة خصم” وهنا بدأ حزب الله يقع بالأخطاء الفادحة والتي شكلت دروسًا قاسية له.

 

حزب الله ما بعد العصر الذهبي”

 

بعد انتهاء ولاية لحود عام 2007 والتي تعد فترة ذهبية عند المقاومة، لم يتمكن حزب الله من تكرار تجربة “الرئيس الوطني” بالقوة نفسها، فقد تدخلت عوامل داخلية وخارجية، وأصبح الاستحقاق الرئاسي ساحة صراع لا مجرد موقع دستوري. انتخاب ميشيل سليمان بعد لحود في عام 2008، أعطى انطباعًا إيجابيًا لدى الحزب بعد حفظه على حيادية المؤسسة العسكرية في ظل الانقسام الذي واجه الساحة اللبنانية، إلا أنه بعد سنوات من عهده، بدأ سليمان يبتعد عن المقاومة وانتقد مقولة “الجيش والشعب والمقاومة” مما أثار غضب حزب الله، شعر الحزب بأن ميشيل غير موفق من محايد إلى منحاز ما أدى إلى فقدان الثقة به. كانت هذه المرحلة أولى مراحل الخذلان الذي تعرض له حزب الله من منصب رئيس الجمهورية، للأسف بدأ حزب الله يواجه المزيد من الصعاب في اختيار رئيس يوازن بين القوى السياسية دون انحياز لأي جهة أخرى.

 

حزب الله والفراغ السياسي (2014-2016)

 

واجه لبنان فراغًا سياسيًا بعد انتهاء ولاية سليمان، والتي تعد من أصعب المراحل التي مر بها الحزب، لأنه واجه انقسامًا كبيرًا على هوية الرئيس المقبل، رشح حزب الله “ميشيل عون” بينما القوى الأخرى رشحت أسماء لها ميول غربية. عمل حزب الله جاهدًا لتلافي أي تأخير في اختيار رئيس للجمهورية ولا سيما في هذه الفترة، وذلك لضمان أمن المقاومة، فالفراغ يمثل تهديدًا كبيرًا على حزب الله من الصراع الداخلي.

 

“ميشيل عون: مذكرة تفاهم.. دلال.. ثم خلاف”

 

إن تسلم ميشيل عون للحكم جاء بفضل تحالفه مع حزب الله وحلفائه في البرلمان، بعد فراغ دام سنتين. عقد عون مع حزب الله اتفاقية عرفت باسم مار مخايل، في عام 2006 والتي حملت الكثير من الأهداف، والتي بدورها تعود بالمنفعة لكلا الطرفين، فأهم بنودها:

*التعاون السياسي: عبر توحيد مواقف التيار الوطني الحر بينه وبين حزب الله في البرلمان والحكومة.

*تنسيق انتخابي: دعم مرشحي الحزب والتيار في الانتخابات لتمثيل أكبر نسبة في البرلمان.

*تبادل الدعم: التيار الوطني يعمل كغطاء سياسي لحزب الله في المؤسسات اللبنانية في المقابل حزب الله يقدم الدعم في الانتخابات لصالح التيار. هذه الاتفاقية ساهمت في ترسيخ التحالف الاستراتيجي بين عون وحزب الله فضلًا عن تمهيدها لانتخاب ميشيل عون رئيسًا للجمهورية لاحقًا. انتخب عون عام 2016 بعد فراغ دام سنتين لمنصب الرئيس، في بداية الأمر كان ينظر إليه كرئيس قوي قادر على تنفيذ معادلة الاستقرار التي تجمع بين حفظ الأمن الداخلي وحماية المقاومة من التدخلات الخارجية.

إلا أنه مع تفاقم الأزمة الاقتصادية عام 2019-2022، وانهيار المصارف والليرة اللبنانية والتي واجهها عون بالضعف فلم يتمكن من حماية لبنان أو المقاومة من الضغوط الدولية والإقليمية، هذا العجز أضعف موقعه كرئيس قادر على دعم حزب الله في مواجهة الضغوط الداخلية. فضلًا عن تقلب موقفه تجاه المقاومة في بعض الملفات المتعلقة بحزب الله، هذا التغيير خلق لدى الحزب شعورًا بأن الحليف لم يعد جديرًا بالثقة وفقد قدرته في الدفاع عن “الشعب والمقاومة والجيش”.

هذا الخذلان أشعر حزب الله بخيبة أمل كبيرة، لأنه اعتقد أنه يشارك رئيسًا متماسكًا قادرًا على حماية الشارع اللبناني والمقاومة وعدم زعزعة أمنها، لذلك هذه التجربة عززت قناعة المقاومة أن اختيار الرئيس يجب أن يكون أكثر دقة، والأهم هو أن منصب الرئاسة ليس مجرد منصب دستوري بل موقع إستراتيجي يوفر للمقاومة حماية من الداخل والخارج.

 

بعد كل الخذلان الذي تعرض له حزب الله أصبح يتبع معايير معينة لاختيار رئيس جمهورية، يحافظ على المقاومة.

 

حزب الله والمعايير التي يجب اعتمادها لاختيار رئيس جمهورية مناسب”

 

بعد ما مر به حزب الله من إخفاقات في اختياره رئيس جمهورية مناسب، اليوم أصبح الحزب يتبع معايير تعود بمنفعة تجاه مصالحه وأمنه، فلم يعد يعتمد على الثقة، بل أصبح يدرس الأمر من جوانب عدة أبرزها: احترام المقاومة هذا المعيار يعد أهم المعايير التي اتبعها حزب الله فيجب على الرئيس أن يكون مؤيدًا له ومهتمًا بدورها في حماية لبنان ضد السيطرة الإسرائيلية، فالحزب لا يبحث عن رئيس متعاون فقط بل داعم إستراتيجي طويل الأمد، يعزز من قوة المقاومة اللبنانية.

عمل الحزب على أن يكون الرئيس يمتلك القدرة لاتخاذ قرارات وطنية مستقلة دون الانصياع لأي قوة دولية أو إقليمية، كذلك ركز حزب الله أن من المهم أن يكون الرئيس قادرًا على إدارة الملفات المعقدة في الداخل اللبناني دون الانحياز لأي جهة دون أخرى مما يحفظ التوازن بين القوى السياسية كافة. هذه المعايير أتت لرسم خارطة الطريق للمقاومة إلا أن هذه التحديات لم تختف ولا سيما اليوم، في ظل الوضع الراهن الذي يمر به حزب الله من محاولات لسحب سلاحه وتضييق الخناق عليه.

 

“حزب الله: تحديات حالية ومستقبلية تهدد أمنه” 

 

في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان في الوقت الحالي من انهيار كبير في العملة وتدهور الخدمات العامة يقف الحزب أمام مسؤولية كبيرة هي كيفية التعامل مع الحكومة بشكل دبلوماسي وخصوصًا بعد رحيل حسن نصر الله، مما يعزز قوته، إلا أن تغيير منهج رئاسة الجمهورية بقيادة جوزيف عون والذي رضخ للضغوط الداخلية والخارجية وما أملاه المبعوث الأمريكي براك بشأن المقاومة والذي نص على سحب سلاح حزب الله، جعل من المقاومة تعيد حساباتها في بعض الأمور وأخذت تستخدم لهجة قوية موصلة رسالة لكل من يحاول نزع سلاح المقاومة بالقوة سيواجه ردًا حازمًا، فحزب الله اليوم ليس بأضعف حالته كما يعتقد البعض، فالتجارب السابقة جعلت منه قويًا بما يكفي للدفاع عن نهجه ومشروعه المقاوم في المنطقة.

 

حزب الله بين خيارين أحلاهما مر

 

اليوم يجد حزب الله نفسه دائماً أمام معضلة دقيقة: فإما أن يدعم رئيسًا يضمن حماية المقاومة ولو على حساب بعض الإصلاحات الداخلية، أو يغامر بانتظار توافق قد لا يأتي في المدى القريب ويترك فراغًا يُنهك الدولة ويستنزف الناس.

 

وفي الحالتين، تُلقى على كاهل الحزب مسؤولية كبرى: كيف يحافظ على المعادلة الداخلية من دون أن يُفرّط بالمعادلة الإقليمية؟

 

ولكن المطلع على أخلاقيات الحزب يرى أنه بالرغم من الضغوط و التحديات التي يواجهه يفضل الحزب دائماً الحفاظ على السلم الأهلي وحقن الدماء لأسباب دينية و إنسانية حتى وإن كان هذا الاختيار يؤدي إلى تضييق الخناق عليه ومع ذلك يبقى الحزب قادراً على إدارة الأزمات الداخلية بكل ثقة مستنداً إلى دعم محور المقاومة و مؤازة جمهوره.

 

وتبقى الحقيقة الثابتة أن كل خيارات الحزب، مهما بدت معقدة أو مؤلمة، تبقى محكومة ببوصلة واحدة لا يحيد عنها: حماية المقاومة، وحماية لبنان من مشروع الهيمنة الصهيونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى