القسم السياسي

تركيا وحرب المياه: حين يتحول النهر إلى سلاح

✍️ حوراء المصري:

 

في يومنا هذا، لم تعد الحروب تُخاض بالبنادق والدبابات والطائرات فقط، بل أصبحت تُدار عبر السدود وصنابير المياه. وبما أن الماء يُعد من أساسيات الحياة، فقد أدركت تركيا أهمية هذا الأمر مبكرًا. فامتلاكها لمنابع دجلة والفرات يمنحها قوة لا تقل عن القوة العسكرية، إذ حولت هذين النهرين من مصدر للبقاء إلى أداة ابتزاز سياسي تستخدمها في المنطقة، لا سيما ضد العراق وسوريا. ومن هنا، بدأت تركيا تستغل هذه القوة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

 

“أنقرة ومشروع غاب: قوة جيوسياسية”

 

بدأت مشاريع السدود في تركيا منذ سبعينيات القرن الماضي، لكن أبرزها هو مشروع جنوب شرق الأناضول، المعروف بـ”غاب”، والذي يشمل أكثر من 20 سدًا، أهمها “سد أتاتورك”، الذي يُعد من أكبر السدود، حيث تفوق سعته السدود العراقية والسورية مجتمعة. لم يكن مشروع “غاب” مجرد بناء سدود للري وتوليد الكهرباء، بل برنامجًا تنمويًا شاملاً يهدف إلى:

 

    • بناء 22 سدًا و19 محطة لتوليد الكهرباء.
    • استصلاح أكثر من 1.7 مليون هكتار من الأراضي التركية.
    • السيطرة على 90% من موارد الفرات و45% من دجلة قبل وصولهما إلى سوريا والعراق.

 

ومع ذلك، أثارت هذه السيطرة جدلاً قانونيًا كبيرًا. فقد وضعت تركيا أساسًا قانونيًا يخدم مصالحها، إذ اعتبرت دجلة والفرات “أنهارًا دولية”، مما منحها حق السيادة الكاملة عليهما دون مسائلة قانونية. لكن القانون الدولي يرى النهر “الدولي” موردًا مشتركًا بين جميع الدول التي يمر بها، ويلزم دول المنبع بعدم الإضرار بدول المصب. هذا الخلاف القانوني فتح الباب أمام صراع دائم بين تركيا من جهة، وسوريا والعراق من جهة أخرى، حيث يرى البلدان أن تصرفات أنقرة تمثل انتهاكًا صريحًا لحقوقهما في مياه دجلة والفرات. وهكذا، تحولت هذه المشاريع الهندسية إلى أداة سياسية استراتيجية.

 

“الماء يتحول إلى ورقة ضغط بيد أنقرة”

 

لم تتعامل تركيا مع دجلة والفرات كمورد طبيعي فحسب، بل نظرت إليهما كسلاح سياسي فعال. فبدلاً من أن يكونا وسيلة للتعاون الإقليمي، تستغل أنقرة توتر العلاقات مع العراق وسوريا، سواء بسبب ملفات أمنية أو مشكلات حدودية، لخفض منسوب المياه المتدفقة إليهما، مرسلة رسالة واضحة: “الماء بين أيدينا”. عانى العراق بشكل خاص من هذا الأمر، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالوجود العسكري التركي في شماله أو ملاحقة حزب العمال الكردستاني. المعادلة واضحة: “غضوا الطرف عن تحركاتنا السياسية، نفتح صنبور المياه”. هذه هي طريقة الابتزاز التي يتعرض لها العراق.

 

أما في سوريا، فكان الأمر أكثر تعقيدًا، حيث قنّنت تركيا تدفق المياه بشكل كبير خلال ذروة المواجهات العسكرية للضغط على دمشق، بهدف تسهيل تدخلات الجيش التركي في الشمال السوري دون معارضة من الدولة السورية. وهكذا، استخدمت أنقرة الماء كأداة فعالة في صراع استراتيجي يستنزف الخصم دون الحاجة إلى قتال عسكري، مما يجبره على التفاوض تحت ضغط ضعفه وحاجته الملحة للمياه كمورد حيوي. ومع استمرار هذه السياسة، تحولت ورقة الضغط من سياسية إلى اقتصادية واجتماعية، مكتسحة الأراضي والمحاصيل، ومؤدية إلى نزوح سكان القرى العطشى نحو المدن في العراق وسوريا.

 

“دمشق وبغداد: انهيارات اقتصادية واجتماعية… والفضل يعود لأنقرة”

 

يواجه العراق وسوريا انهيارًا اقتصاديًا واجتماعيًا بسبب تقنين تركيا لتدفق المياه، حيث أصبحت الزراعة تختنق في البلدين. فالمساحات الواسعة من الأراضي الزراعية دمرها الجفاف، مما أدى إلى انخفاض محاصيل الحبوب، خاصة القمح والشعير. هذا الوضع دفع البلدين إلى الاعتماد على الاستيراد بدلاً من الاكتفاء الذاتي، مما زاد من الأعباء الاقتصادية. كما أدى انهيار الزراعة في الأرياف إلى تقليص فرص العمل، ممافاقم الهجرة الداخلية. فترك مئات الفلاحين أراضيهم الريفية متجهين إلى المدن الكبرى مثل بغداد في العراق، وحلب ودمشق في سوريا، مما تسبب في ضغوط سكنية هائلة، فضلاً عن زيادة البطالة والفقر، وظهور مشكلات اجتماعية وأمنية جديدة.

 

لم تقتصر الأزمة على الزراعة والاقتصاد، بل امتدت إلى قطاع الكهرباء. فالمياه تُستخدم لتوليد الطاقة عبر السدود، وقلة منسوبها أدت إلى تعطل سد الفرات في سوريا وسدي الموصل وحدیثة في العراق، مما تسبب في أزمات كهرباء متكررة أثرت على الصناعة والتجارة. وما بدأ كأزمة زراعية وكهربائية تحول سريعًا إلى تهديد أمني بسبب تصاعد التوترات بين المجتمعات، مما أبرز الصراع على المياه كأحد أهم أدوات التحكم بمصير العراق وسوريا.

 

“مصير بغداد ودمشق في صنبور واحد يقع في تركيا”

 

أصبحت تركيا تتحكم بمستقبل العراق وسوريا عبر المياه، إذ إن أي تخفيض في منسوب دجلة والفرات يؤدي إلى أزمات زراعية وكهربائية، مما يضاعف الضغوط الداخلية على الحكومات. ويظهر تداخل واضح بين السياسات التركية ومطامع القوى الإقليمية والدولية، حيث استغلت تركيا حالة الضعف السياسي في العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 لفرض سيطرتها المائية دون اعتراض فعلي. وتشير التحليلات إلى أن سياسة التحكم بالمياه تخدم مصالح إسرائيل في إضعاف الدول العربية المجاورة لتحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات. وهكذا، تُعد حرب المياه التركية سلاحًا استراتيجيًا شاملاً يخضع العراق وسوريا لمصالح أنقرة، مما يجبرهما على قبول شروطها بسبب حاجتهما الملحة للمياه.

 

“العراق وسوريا… في مواجهة حرب المياه التركية”

 

لا يمكن للعراق وسوريا الوقوف مكتوفي الأيدي أمام حرب المياه التركية التي تستخدم الماء كورقة ضغط استراتيجية لتحقيق مطامعها. يجب عليهما اللجوء إلى الأمم المتحدة والمحاكم الدولية لتأكيد حقوقهما في مياه دجلة والفرات، مع تفعيل اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن الأنهار الدولية، التي توفر إطارًا قانونيًا للضغط على تركيا للالتزام بمبادئ الاستخدام المنصف وعدم الإضرار بدول المصب. كما ينبغي للعراق تشكيل حلف استراتيجي مع سوريا وإيران لخلق توازن موازٍ للضغط التركي، من خلال تبادل الخبرات ووضع استراتيجية مائية مشتركة، مما يقلل من الضغط التركي بفضل وجود حليف قوي مثل إيران.

 

علاوة على ذلك، يجب على البلدين الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة للري وتقنيات ترشيد المياه لتقليل الهدر وزيادة الإنتاجية الزراعية. كما ينبغي تطوير مشاريع تحلية المياه وتخزين مياه الأمطار وتنقية المياه الصناعية لتخفيف الاعتماد على النهرين، مما يقلل من تأثير الضغوط التركية. 

 

وفي الخلاصة، الحل لا يقتصر على المعارك السياسية والدبلوماسية، بل يتطلب مزيجًا من القانون، والتعاون الإقليمي، وتطوير التكنولوجيا والاستراتيجيات الوطنية. فقط بهذه الخطة المتكاملة يمكن للعراق وسوريا حماية مياههما من أن تتحول إلى سلاح يهدد حياة شعبيهما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى