القسم السياسي

المقاومة أقل تكلفة من الاستسلام : تحليل بالأرقام والأدلة

✍️ نجاح محمد علي، صحفي وباحث مختص بشؤون إيران والمنطقة:

 

تؤكد إيران، من خلال رؤية القائد آية الله الإمام سيدعلي خامنئي، أن المقاومة في وجه الضغوط الخارجية أقل تكلفة بكثير من الاستسلام. في خطاب له عام 2018 خلال مراسم تخريج طلاب جامعة الإمام الحسين (عليه السلام)، أوضح أن الاستسلام يؤدي إلى خسائر فادحة تفوق تلك التي تتحملها إيران جراء العقوبات. وفي لقاء آخر مع مسؤولي النظام في نفس العام، شدد على أن الاستسلام يهدد كرامة الشعب ويفتح الباب لمزيد من التنازلات. كما يرى أن إيران في موقف دفاعي وليست متخاصمة ، لكن الغرب يبدأ بمطالبة إيران بتعليق برنامجها النووي السلمي وينتهي بالمطالبة بالتخلي عن صواريخها، مما يهدف إلى نزع سلاحها بالكامل. 

 

في هذا المقال، نوضح هذه الرؤية بأرقام وأمثلة تأريخية بطريقة مبسطة ومفصلة، مع الاستناد إلى بيانات حديثة حتى شهر أغسطس آب عام 2025.

 

1. تكلفة المقاومة مقابل الإستسلام: الأرقام تتحدث

 

تكلفة المقاومة: تعني هنا تحمل إيران للعقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة ودول أخرى، والتي أدت إلى أزمات اقتصادية متعددة دون أن تؤدي إلى الانهيار. 

 

بحسب تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، انخفض الناتج المحلي الإجمالي الإيراني  بنسبة 6-7% سنوياً بين 2018 و2020، واستمرت الآثار حتى 2025. على سبيل المثال، تراجعت صادرات النفط من 2.5 مليون برميل يومياً في 2018 إلى أقل من 0.5 مليون في 2020، مما كلف إيران حوالي 50 مليار دولار سنوياً. كما فقد الريال الإيراني 50% من قيمته أمام الدولار بين 2018 و2019، مما رفع التضخم إلى 35% وزاد تكاليف المعيشة بنسبة 40-50%. وبلغ العجز التجاري 3.45 مليار دولار في 2020، مقارنة بفائض 6.11 مليار دولار في 2019. من 2012 إلى 2023، خسرت إيران حوالي 1.2 تريليون دولار، منها 150 مليار في الزراعة، 450 مليار في الصناعة، و600 مليار في الخدمات.

 

في السنوات الأخيرة، استمرت العقوبات في التأثير، حيث يتوقع أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي الاسمي إلى أقل من 400 مليار دولار في السنة الإيرانية الحالية (التي انتهت في 20 مارس 2025)، مما يعكس استمرار الركود الاقتصادي. كما يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.1% فقط لعام 2025، وهو أقل من المتوسط الإقليمي الذي يبلغ 3.9%، مما يعكس تباطؤاً عن 4.7% في 2023 و3.3% في 2024.  

 

بالإضافة إلى ذلك، يعاني الاقتصاد من أزمة طاقة حادة ناتجة عن سوء الإدارة، الدعم المفرط، الفساد، والعقوبات الدولية، مما يؤثر على إنتاج الكهرباء والوقود. وفي أواخر 2023، بلغ التضخم 40%، ومن المتوقع ارتفاعه مع استمرار 

 

اضطراب سلاسل التوريد بسبب العقوبات. كما أدت العقوبات إلى انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي، وتقليص التجارة الدولية، وزيادة البطالة غير الرسمية. 

 

رغم هذه الخسائر، حافظت إيران على استقلالها السياسي والعسكري، وبعد تخفيف بعض العقوبات جزئياً، نما الاقتصاد بنسبة 4-5% في 2021، مما يظهر قدرة على التعافي من خلال التنويع الاقتصادي والاعتماد على الذات. على سبيل المثال، ساعدت العقوبات في تطوير الصناعات المحلية، رغم ارتفاع الفقر والتضخم. 

 

تكلفة الاستسلام : تظهر أمثلة تأريخية أن الاستسلام أكثر تكلفة، حيث يؤدي إلى انهيار اقتصادي وفقدان السيادة. على سبيل المثال، في ليبيا، تخلى الزعيم الراحل معمر القذافي عن برنامجه النووي في 2003 مقابل رفع العقوبات، لكنه في 2011 واجه “ثورة” بدعم غربي أدت إلى سقوطه وقتله. خسرت ليبيا 60% من ناتجها المحلي بين 2011 و2014، أي حوالي 200 مليار دولار، وغرقت في الفوضى السياسية والاقتصادية التي استمرت حتى 2025. بعد الحرب الأهلية الأولى، ارتفع النمو بنسبة 104.5% في 2012، لكنه انهار مرة أخرى مع اندلاع الحرب الأهلية الثانية، مما أدى إلى انخفاض إنتاج النفط إلى جزء صغير من مستوياته الطبيعية. 

 

حتى اليوم، يعاني الاقتصاد الليبي من انقسامات مؤسسية، ارتفاع الإنفاق الحكومي، وانخفاض الاستثمار، مع خسائر تراكمية في الناتج المحلي الإجمالي بسبب الصراعات، بالإضافة إلى زيادة الفقر حيث يحتاج حوالي 325,000 شخص إلى مساعدات إنسانية. كما أدى الصراع إلى تراجع الاستهلاك والاستثمار، مع خسائر اقتصادية كبيرة ناتجة عن تدمير البنية التحتية. 

 

وفي العراق، بعد حرب تحرير دولة الكويت عام 1991، تخلى صدام حسين عن برامج الأسلحة النووية والكيميائية تحت ضغط الأمم المتحدة. لكن في 2003، غزت الولايات المتحدة العراق، مما تسبب بخسائر اقتصادية تقدر بتريليون دولار بحلول 2010، مع انخفاض الناتج المحلي بنسبة 30-40% وفقدان السيطرة على النفط. على مدى 20 عاماً حتى 2023، بلغت التكاليف البشرية والاقتصادية للحرب أكثر من نصف مليون قتيل و2.89 تريليون دولار، بما في ذلك إعادة هيكلة الاقتصاد تحت سلطة التحالف في 2005، مما فتح الأبواب للشركات الأجنبية لكن أدى إلى فقدان السيادة الاقتصادية وارتفاع الديون. كما شملت التكاليف ارتفاع أسعار النفط العالمية، انخفاض الإنتاج الصناعي، وزيادة البطالة، مع آثار طويلة الأمد على البنية التحتية والتنمية الاجتماعية حتى 2025. هذه الأمثلة تثبت أن الاستسلام لا يجلب السلام، بل يؤدي إلى انهيار الدولة وفقدان سيادتها، مع خسائر تفوق تلك الناتجة عن العقوبات.

 

2. إيران تدافع، لا تهاجم: من النووي إلى الصواريخ

 

إيران أثبتت أن برنامجها النووي سلمي ويتماشى مع معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT) التي وقّعتها عام 1968. لكن الغرب يصورها كتهديد لتبرير العقوبات، وتبدأ المطالب الغربية بتعليق الإثراء أي التخصيب النووي، لكنها لا تتوقف هنا. فعلى سبيل المثال، في اتفاق النووي 2015، وافقت إيران على خفض التخصيب إلى 3.67% مقابل رفع العقوبات، لكن انسحاب أمريكا في 2018 أعاد المطالب إلى التعليق الكامل. في 2025، بدأت الولايات المتحدة وإيران سلسلة مفاوضات في أبريل للوصول إلى اتفاق نووي، بعد رسالة من الرئيس الأمريكي، مع وساطة عمانية. وفي يونيو 2025، أعلنت إيران بدء تخصيب اليورانيوم إلى 60%، قريباً من 90% اللازم للأسلحة ، كرد على الضغوط. كما أجرت إيران محادثات منفصلة مع الدول الأوروبية الثلاث (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) منذ نهاية 2024، لكن المفاوضات أصبحت معلقة بعد العدوان الصهيو أميركي على البرنامج النووي. 

 

في يوليو 2025، أعلن مسؤول إيراني الموافقة على استئناف المفاوضات غير المباشرة مع أمريكا، مع تركيز الولايات المتحدة على “الضغط الأقصى” لوقف ما يسمى جزافاً التهديد النووي. وفي يوليو نفسه، أكدت تقارير أن الدول الأوروبية الثلاث تسعى إلى اتفاق أوسع يشمل قيوداً على البرنامج الصاروخي الإيراني والأنشطة الإقليمية. 

 

أما بالنسبة للصواريخ، فإن البرنامج الإيراني يهدف إلى تعويض تفوق أعدائها عسكرياً، خاصة مع العقوبات التي تعيق تحديث الطائرات والمعدات. في 2025، قدرت الاستخبارات الأمريكية أن إيران يمكن أن تطور صواريخ باليستية قارية المدى بحلول 2035 إذا قررت ذلك، مستفيدة من برامج الإطلاق الفضائي.

 

 خلال حملة 2024، أظهرت الصواريخ الباليستية المتوسطة المدى دقة كبيرة، مما يعزز دورها في الهجمات الدقيقة.هذا الأمر تبين خلال العدوان الأخير. 

 

 زاد التفتيش الدولي على البرنامج النووي والصاروخي في أواخر 2024 بعد تبادل ضربات عسكرية مباشرة بين إيران والكيان الصهيوني. كما زُعم أن شحنات وصلت من الصين في فبراير 2025 تحتوي على مكونات صواريخ، رغم العقوبات، مما يثير مخاوف لدى الغرب عن استمرار إيران في تعزيز قدراتها الدفاعية.  هذه المطالب تظهر أن الهدف ليس النووي فقط، بل نزع سلاح إيران بالكامل، كما حدث في ليبيا والعراق، حيث أدى التسليم إلى كارثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى