محور السادس: مستقبل المعركة وتداعياتها «الجزء الخامس»

القسم السياسي:
من المنظور العسكري، تمتلك إيران قدرات متنوعة وفعّالة لتنفيذ هذا التهديد عملياً. فالقوات البحرية التابعة للحرس الثوري تمتلك زوارق سريعة مجهّزة بصواريخ مضادة للسفن، وغواصات صغيرة، وألغاماً بحرية متطورة، تتيح لها القدرة على إرباك حركة السفن في المضيق. كما أنّ الجزر الإيرانية القريبة من المضيق، مثل قشم وهرمز، قد زُوّدت بمنظومات صواريخ أرض–بحر ودفاع جوي؛ وهي أسلحة تجعل أي محاولة لفتح المضيق عبر عمل عسكري عملية مكلفة للغاية. هذه القدرات طُوّرت في إطار إستراتيجية الحرب غير المتكافئة؛ وهي إستراتيجية تستفيد من ضيق عرض المضيق وتعقيداته الجغرافية لتمكين إيران من إحداث إزعاج فعّال للأساطيل المتقدمة مثل الأسطول الأمريكي دون الدخول في مواجهة مباشرة.
السيناريوهات المحتملة لإغلاق مضيق هرمز تعكس مرونة إيران في استخدام هذا الأداة الرادعة.
أولاً، سيناريو الإغلاق الكامل للمضيق، والذي يستلزم زرع ألغام على نطاق واسع، وعند الضرورة، شن هجمات مباشرة بالصواريخ أو الزوارق السريعة ضد السفن العابرة. هذا الخيار، رغم فعاليته العالية، قد يؤدي إلى تدخل عسكري مباشر خارجي.
ثانياً، سيناريو الإغلاق الجزئي؛ حيث تقوم إيران بمنع عبور ناقلات النفط التابعة للدول المعادية، في حين تسمح بمرور ناقلات النفط التابعة للدول الصديقة مثل الصين أو روسيا. هذه الطريقة تتيح ممارسة ضغط موجّه دون أن تؤدي بالضرورة إلى مواجهة واسعة النطاق.
ثالثاً، سيناريو الإغلاق الرمزي؛ من خلال طلعات جوية للمقاتلات، أو مناورات بحرية، أو تهديدات متكررة، ما قد يخلق أجواء من عدم اليقين ويدفع شركات النقل البحري إلى تغيير مساراتها أو شركات التأمين إلى فرض تكاليف إضافية.
رغم القدرات العالية لهذه الأداة، فإن إغلاق مضيق هرمز ستكون له تداعيات اقتصادية كبرى على إيران والعالم. بالنسبة لإيران، سيؤثر هذا الإجراء بشكل مباشر على صادرات النفط، لأن القسم الأكبر من نفطها ما يزال يُنقل عبر هذا المسار. إنّ توقف هذه الصادرات، حتى وإن كان مؤقتاً، سيلحق خسائر مالية كبيرة، خصوصاً في ظل استمرار الضغط الاقتصادي الناجم عن العقوبات. ومع ذلك، فقد وضعت الجمهورية الإسلامية استراتيجيات للحد من هذه الخسائر عبر تصميم مسارات بديلة وتطوير قدرات النقل السرّي.
وعلى المستوى العالمي، سيؤدي إغلاق المضيق إلى ارتفاع مفاجئ في أسعار النفط؛ وهو أمر يسبب تحدياً كبيراً للاقتصادات الآسيوية المعتمدة على نفط الخليج، وقد يدفعها لممارسة ضغوط دبلوماسية أو حتى دعم عمليات عسكرية لإعادة فتح المضيق. ومع ذلك، فإن هذه الدول تواجه أيضاً خيارات محدودة، لأن الدخول في مواجهة مع القوات الإيرانية في بيئة مثل مضيق هرمز ينطوي على مخاطر جسيمة.
ترجمه دقیق متن شما به عربی:
لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، استثمرت إيران خلال السنوات الأخيرة في تطوير مسارات بديلة. ويُعدّ خط أنابيب “غوره–جاسك”، الذي يمتد من الحقول النفطية في غرب إيران حتى ميناء جاسك على سواحل بحر عُمان، واحداً من أهم هذه المشاريع. هذا الخط، الذي بدأ العمل به منذ عام 2021، يتيح تصدير النفط إلى الأسواق العالمية دون الحاجة إلى عبور المضيق، ويُبقي إيران بمنأى – إلى حدّ ما – عن الضغوط العسكرية أو الحصار البحري. كما أن ميناء جاسك، نظراً لموقعه الاستراتيجي وبنيته التحتية المتقدمة، يلعب دوراً محورياً في هذا المشروع ويملك قدرة عالية على تخزين وتحميل النفط. إضافةً إلى ذلك، استطاعت إيران عبر أساليب مثل نقل النفط من سفينة إلى أخرى (STS) في المياه الدولية، وتغيير أعلام وهوية الناقلات، والاستفادة من تقنيات التخفي عن أنظمة التتبع، أن تحافظ على صادراتها النفطية حتى في ظروف العقوبات.
كما طوّرت إيران مسارات برّية لتصدير النفط، وإن كانت هذه المسارات من حيث القدرة غير قابلة للمقارنة بالمسارات البحرية. فخطوط الأنابيب الممتدة نحو العراق وباكستان، إضافة إلى النقل البري عبر صهاريج النفط، تُستخدم كخيارات تكتيكية في أوقات الأزمات. وفوق ذلك، عمدت طهران إلى إبرام اتفاقيات مقايضة مع دول مثل الصين وروسيا، بحيث تُبادَل النفط بالسلع والخدمات، وبذلك تحافظ على جزء من عائداتها حتى في حال إغلاق المضيق. إن هذه الشبكة من المسارات البديلة تعبّر عن نهج استراتيجي هدفه تقليل مستوى الهشاشة أمام التهديدات الخارجية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على قوة الردع التي يمثّلها المضيق كأداة حيوية في السياسة الإقليمية الإيرانية.
من المنظور السياسي والدبلوماسي، فإن إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى تصاعد التوترات الإقليمية والدولية. فدول الخليج، التي ترتبط اقتصاداتها بصادرات النفط عبر هذا المضيق، ستواجه فوراً أزمة اقتصادية، ومن المرجّح أن تطالب بتدخل عسكري لضمان أمن الملاحة. غير أن مثل هذا التدخل، نظراً للاستعداد العسكري الإيراني وكلفته الباهظة، ينطوي على مخاطر كبيرة. وعلى المستوى الدولي، ستجد القوى الكبرى نفسها بين خيارين: حماية مصالحها الاقتصادية أو تجنّب الانزلاق إلى حرب شاملة. وقد تفتح هذه الظروف الباب أمام جولات جديدة من المفاوضات، حيث قد تستغل إيران تهديد إغلاق المضيق كأداة لإعادة طرح قضايا أساسية مثل رفع العقوبات أو إحياء الاتفاق النووي.
وفي الوقت ذاته، يمكن أن تمهّد هذه الأوضاع لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية؛ فدول مثل الصين وروسيا قد تعزز دعمها لإيران لضمان استمرار تدفق النفط، فيما قد تُجبر الدول العربية الخليجية على إعادة النظر في مواقفها تجاه طهران.
وتُضيف التجارب التاريخية بعداً تحليلياً لهذه المسألة. ففي أثناء الحرب الإيرانية–العراقية (1980–1988)، أُغلق مضيق هرمز جزئياً في عدة مناسبات، ما تسبب بأزمات خطيرة في أسواق الطاقة العالمية وارتفاع حاد في أسعار النفط. وقد أثبتت تلك التجربة أن حتى الإغلاق المؤقت للمضيق يخلّف آثاراً اقتصادية جسيمة.
وفي العقود التالية، واصلت إيران التلويح بتهديد إغلاق المضيق كجزء من استراتيجيتها للرد على العقوبات أو التهديدات العسكرية، حتى غدا المضيق عنصراً ثابتاً في حسابات القوى العالمية. على سبيل المثال، في عام 2012، ومع تشديد العقوبات الأمريكية والأوروبية على النفط الإيراني، أدى تهديد طهران بإغلاق المضيق إلى رفع مستوى الجاهزية البحرية الغربية في المنطقة؛ إلا أن أياً من الأطراف لم ينخرط في مواجهة مباشرة.
نقطة مهمة: إن التهديد بإغلاق مضيق هرمز أو تنفيذه يمكن أن يثير مخاوف لدى العراق بشأن صادراته النفطية. ومع ذلك، هناك حلول عملية لمواجهة مثل هذا السيناريو. فبإمكان العراق تصدير نفطه عبر الأراضي الإيرانية؛ بحيث يُنقل النفط الخام العراقي إلى المصافي القريبة داخل إيران ويُستهلك ضمن الدورة الداخلية، مقابل أن تقوم إيران بتصدير الكمية المكافئة نيابة عن العراق وإعادة العائدات إلى بغداد. هذه الآلية لا تمنع فقط توقف صادرات العراق النفطية في حال إغلاق المضيق، بل تعزز أيضاً مستوى التعاون الاستراتيجي بين طهران وبغداد. ومن جانب آخر، تمتلك الصين وحدها القدرة على استيعاب كامل صادرات النفط الإيرانية والعراقية. إذ تحتاج بكين إلى نحو 12 مليون برميل نفط يومياً، وحتى في حال إغلاق المضيق، يمكنها عبر عقود مباشرة ووسائل نقل بديلة أن تلبّي هذا الطلب من المصادر الإيرانية والعراقية. إن هذه الترتيبات ليست ممكنة تقنياً فحسب، بل تشكّل أيضاً أدوات لتعزيز التكامل الاقتصادي في مواجهة الضغوط الغربية.
هذا الواقع يُظهر أن مضيق هرمز ليس مجرد أداة عسكرية؛ بل إن مكانته كأحد مكوّنات دبلوماسية القوة في المنطقة قد ترسخت.
فمضيق هرمز، رغم أهميته الاستراتيجية، يمثل أداة مزدوجة بيد إيران. فمن جهة، هو قوة ردع قادرة على إحداث فوضى عالمية في سوق الطاقة، ومن جهة أخرى، فإن استخدامه يتطلب توازناً دقيقاً لتفادي الانجرار إلى حرب واسعة النطاق. والجمهورية الإسلامية، بفضل فهمها التكتيكي العميق، لم تقتصر على الاعتماد على هذه الأداة، بل في الوقت ذاته طوّرت مسارات نفطية بديلة، وموانئ جديدة، وتقنيات للتصدير السري، واتفاقيات مع الحلفاء. هذا النهج المرن، الذي يجمع بين القوة الصلبة والناعمة، يمنح إيران القدرة على الحفاظ على موقعها الاستراتيجي حتى في أشد الظروف صعوبة. وفي مواجهة العدوان الصهيوني–الأمريكي، يبقى مضيق هرمز رمزاً لقوة إيران في تحدي هيمنة الغرب؛ ليس فقط عبر القوة العسكرية، بل من خلال قدرتها على إعادة صياغة قواعد اللعبة على مستوى الاقتصاد والسياسة العالميين.