البطريرك الراعي والمقاومة… بين خطاب الحياد وحقيقة الانحياز”

حوراء المصري:
في بلدٍ صغير كلبنان، يملؤه التنوع والتعدد الطائفي والسياسي، يعيش هذا البلد في قلب العواصف الإقليمية والدولية، ولا سيما بوجود الكيان الصهيوني بالقرب من حدوده. لقد أصبحت المقاومة جزءاً لا يتجزأ من هوية لبنان الوطنية، فمنذ اجتياح الاحتلال الغاشم للأراضي اللبنانية عام 1982، حتى طرده على يد حزب الله عام 2000، شكّلت مواقف المقاومة السابقة والحالية نموذجاً يُحتذى به في الوطنية والشرف.
في هذا السياق يبرز اليوم البطريرك الراعي بموقفٍ أثار الجدل محلياً وخارجياً حول المقاومة وسلاحها. فيرى مؤيدوه أن رأيه صائب ويعود على لبنان بالمنفعة، إذ يبعده عن دائرة الصراع مع الكيان الصهيوني . في المقابل، رفض عدد من داعمي حزب الله من مختلف الطوائف والأديان هذا الموقف، ولا سيما أنه صدر عن رجل دين رفيع المكانة. فبطبيعة الحال، منصبه يحتم عليه الوقوف بوجه الظلم ومناهضة أفعال الكيان في المنطقة، ولا سيما في الجنوب اللبناني. إن أي موقف يصدر عن شخصية دينية بارزة كالبطريرك الراعي يصبح محط جدلٍ، لأنه يُقرأ كاصطفاف سياسي.”
مواقف الراعي… انحياز مُبطَّن أم شعور وطني؟”
منذ تولي بشارة الراعي رئاسة الكنيسة الكاثوليكية، حرص على تقديم نفسه كصوت جامع يسعى لحماية لبنان من أي حرب داخلية. وقد كرر دائماً في خطاباته ثلاث ثوابت أساسية:
- الدعوة إلى تحييد لبنان عن الصراع الإقليمي.
- التأكيد على مبدأ النأي بالنفس وعدم الانجرار إلى حروب داخلية أو إقليمية.
- التشدد في رفض أي سلاح خارج سيطرة الدولة.
كل هذه المواقف كانت ولا تزال تحمل نقداً مباشراً للمقاومة، وخاصة لحزب الله الذي يمثل القوة العسكرية الأبرز في لبنان. فالراعي يرى أن هذا السلاح لا يملك الشرعية للبقاء، وأن حصره بيد الدولة هو الحل الوحيد للاستقرار. لكنه يتجاهل أن هذا السلاح هو الرادع الوحيد لمطامع الكيان في الأراضي اللبنانية.
الجدير بالذكر أن خطابات البطريرك تخلو من الإدانة الصريحة للاعتداءات الصهيونية المتكررة على الجنوب اللبناني، بينما توجه الانتقاد اللاذع إلى سلاح حزب الله، ما أثار جدلاً واسعاً في الشارع اللبناني. وقد اعتبر كثيرون أن مواقفه تميل إلى خدمة المصالح الغربية، بعيدة كل البعد عن واقع الشعب اللبناني الذي يعيش تحت جرائم الاحتلال منذ عام 1982 حتى اليوم. وهنا يطرح السؤال نفسه:
هل يعقل أن بشارة الراعي لا يرى الواقع اللبناني؟”
بشارة الراعي بين الواقع والوهم”
يشهد لبنان تهديداً مستمراً من الكيان الصهيوني يتمثل في خروقات جوية وبرية متكررة، ما يجعل من سلاح المقاومة عنصراً أساسياً في ردع أي محاولة لشن حرب واسعة على لبنان، ولا سيما بعد 2006.
لكن البطريرك، عبر خطاباته، يتجاهل هذا الواقع. فبدلاً من التفكير في كيفية كبح جماح الاحتلال وحماية سيادة لبنان، يركز على أهمية سحب سلاح حزب الله، وكأنه المشكلة الوحيدة التي يواجهها الشعب اللبناني. هنا يبرز التناقض: كيف يمكن تجاهل خطر العدو الصهيوني الذي يهدد أمن اللبنانيين، مقابل التركيز على سلاح أثبت فعاليته في حماية الحدود؟
كما أن مواقف الراعي تنسجم أكثر مع بعض القوى السياسية المنحازة للغرب والخليج، بدلاً من انسجامها مع أبناء شعبه الذين يعانون من جرائم الاحتلال. إن خطابه يبدو للبعض مثالياً كونه يطالب بالنأي بالنفس والابتعاد عن الصراع الدولي، إلا أنه يفتقر إلى الواقعية، فالعدو لا يفهم لغة الدبلوماسية بل يجيد لغة القوة والترهيب.
إن تناقض خطاب الراعي مع ما يعيشه لبنان تحت تهديدات العدو يجعلنا نتساءل: هل هذا الرأي اجتهاد شخصي وطني، أم أنه تلبية لمطالب سياسية دولية وفاتيكانية تميل إلى الغرب؟”
سياسة الراعي… إملاءات عربية بنكهة بابوية”
لم تكن مواقف الراعي مجرد آراء دينية ورعوية، بل تحولت إلى مواقف سياسية. فقد قرأ كثير من المحللين خطاباته على أنها انعكاس لرؤى جهات سياسية داخلية وخارجية، ولا سيما الفاتيكان الذي يواكب الرغبة الغربية في تفكيك المقاومة.
ويذهب آخرون إلى أن موقف البطريرك يهدف إلى حماية المسيحيين، حيث يبقى أبناء طائفته على “الحياد” تجنباً لصراع قاسٍ ومنهك مع العدو الصهيوني. لكن هذا الموقف يضعف القوة الوطنية للبنان أمام الاحتلال. فالدعوة إلى الحياد تبدو جميلة نظرياً، إلا أن الواقع يفرض معادلات مختلفة. فالتهديد القابع عند حدود لبنان لا يفرّق بين طائفة وأخرى ولا يولي أي أهمية لحياة البشر على اختلاف أطيافهم.
يمكن القول إن رأي البطريرك يُقرأ في الشارع اللبناني كترجمة لآراء ومواقف بعض القوى السياسية المتحالفة مع الغرب والخليج. فالكثيرون يعتبرون أن هذا الرأي لا يعكس المخاوف الأمنية الحقيقية للبنانيين.
إن موقف الراعي، رغم تغطيته برداء الوطنية، يلبي في جوهره مصلحة واشنطن وتل أبيب في حصر السلاح بيد الدولة، بما يتيح لهما فرض هيمنتهما على لبنان والمنطقة.”
المقاومة والراعي… حُسم الأمر، السلاح باقٍ”
رغم حدة الانتقادات التي يوجهها البطريرك الراعي لحزب الله، ظل الحزب محكوماً بلغة الاحترام والقيم الدينية التي تحتم عليه احترام مقام البطريركية. لذلك، تتجنب المقاومة الدخول في سجال مباشر معه، تجنباً لأي فتنة داخلية بين المسيحيين والمسلمين، ولا سيما الشيعة. وفي المقابل، تؤكد المقاومة عبر خطابها الوطني أن السلاح هو حماية لجميع طوائف ومكونات الشعب اللبناني.
يرى اللبنانيون، ولا سيما مؤيدو سلاح حزب الله، أن موقف الراعي لا يمثل جميع المسيحيين، مستشهدين بمواقف شخصيات مسيحية بارزة كميشال عون وسليمان فرنجية، اللذين اعتبرا السلاح عنصر قوة للبنان بأسره، لا لطائفة محددة.
لقد أثبتت المقاومة صدق مواقفها، فهي لا تزال تدافع عن الجنوب الذي يضم قرى مسيحية، وتحمي الكنائس والمساجد على حد سواء. هذه الحقائق جعلت السلاح يحظى بشرعية شعبية واسعة، تعزز من حضور حزب الله وموقعه.
في المحصلة، ومهما كانت حدّة آراء البطريرك الراعي بشأن السلاح، تبقى الحقيقة ثابتة: سلاح المقاومة درعٌ لجميع الطوائف والانتماءات السياسية. إنه السبيل الوحيد للحفاظ على استقرار لبنان وسيادته في مواجهة التهديدات الصهيونية المستمرة. وسيكتب التأريخ أن كل من وقف ضد المقاومة، بقصد أو بغير قصد، لم يكن سوى أداة تخدم الكيان الغاصب، ولا يملك أي حق في التشكيك في وطنية حزب الله.