تحقيق: لماذا تسلح الولايات المتحدة الأكراد بأسلحة متقدمة غير متوفرة للجيش العراقي؟

نجاح محمد علي، صحفي وباحث مختص بشؤون إيران والمنطقة:
السياق التأريخي والجيوسياسي
في السنوات الأخيرة، أثارت سياسة الولايات المتحدة في تسليح قوات البيشمركة الكردية في العراق جدلاً واسعاً، خاصة مع تزويد هذه القوات بأسلحة متقدمة مثل مدافع هاوتزر 105 ملم، وأسلحة مضادة للدبابات (مثل TOW)، وأجهزة استشعار وطائرات بدون طيار، والتي لا يمتلكها الجيش العراقي بشكل كامل أو بكميات كافية. هذا التصرف يعود جذوره إلى عام 2014، عندما هاجم تنظيم “داعش” العراق، وانهار الجيش العراقي أمامه في الموصل وتكريت، مما دفع واشنطن إلى البحث عن حلول بديلة سريعة وفعالة.
بناءً على تحقيق ميداني شمل رصد مقابلات مع خبراء وقادة عسكريين، مسؤولين كرد، وتحليل وثائق رسمية من البنتاغون والكونغرس الأمريكي، بالإضافة إلى تقارير من منظمات مثل معهد الشرق الأوسط (MEI) و معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (WINEP) ومركز كارنيغي للسلام الدولي، يتضح أن هذه السياسة جزء من استراتيجية أمريكية أوسع لمواجهة التهديدات الإقليمية.
الأسباب الرئيسية: تحليل الدوافع الأمريكية
1. الكفاءة العسكرية والحاجة الطارئة لمكافحة داعش
في صيف 2014، كان الجيش العراقي في حالة انهيار تام. فقد خسر آلاف الجنود، وفر بعضهم، وتشتتت المعدات. في المقابل، أثبتت قوات البيشمركة الكردية فعاليتها في الدفاع عن إقليم كردستان، مثل صد هجوم داعش على أربيل. وفقاً لتقرير البنتاغون لعام 2015، كانت البيشمركة أكثر تنظيمًا وولاءً، مما جعلها شريكاً موثوقاً للقوات الأمريكية في عملية “القوة الحاسمة” (Inherent Resolve).
• الأسلحة المقدمة: منذ 2014، قدمت الولايات المتحدة أكثر من 2 مليار دولار من المساعدات العسكرية للبيشمركة، بما في ذلك 1,500 سيارة مدرعة MRAP، وآلاف الأسلحة الخفيفة، ومدافع هاوتزر M119A3 التي لا يمتلكها الجيش العراقي إلا في كميات محدودة (حوالي 20 وحدة فقط، مقابل عشرات للبيشمركة). هذا التسليح كان ضرورياً لسد الفجوة، حيث كانت البيشمركة تواجه داعش مباشرة في جبهات مثل سنجار وكوباني.
• شهادات: في مقابلة مع اللواء المتقاعد الأمريكي جوزيف فيليكايتي (من قيادة القوات الخاصة)، أكد أن “البيشمركة كانت الوحيدة القادرة على القتال فوراً، بينما احتاج الجيش العراقي إلى إعادة بناء كامل”.
2. دور قاسم سليماني في إنقاذ أربيل والبيشمركة
لكن وكما يقول الزعيم الكردي مسعود بارزاني ، في يونيو ويوليو 2014، كادت قوات البيشمركة تنهار أمام هجوم داعش المكثف على أربيل والمناطق المحيطة بها. تقديرات استخباراتية أمريكية وأوروبية أفادت بأن سقوط أربيل كان وشيكًا، مما يعني أن التنظيم كان سيستولي على العاصمة الكردية ويقطع الطريق على أي دفاع محتمل.
في هذه اللحظة الحرجة وبطلب مباشر منه ، تدخل اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، مباشرة لتنسيق الدفاع بين قوات البيشمركة وبعض الوحدات العراقية الشيعية المتحالفة مع إيران. وفقًا لبارزاني و مصادر كردية مطلعة، قام سليماني بتقديم خطط عسكرية دقيقة، وإعادة توزيع الأسلحة الثقيلة، وتوجيه طلعات الطائرات العراقية على مواقع داعش، ما أوقف الزحف نحو أربيل وأنقذ الإقليم من كارثة.
هذا التدخل لم يخفف فقط من تهديد داعش، بل أعطى الولايات المتحدة دافعًا لتسريع إرسال الأسلحة للبيشمركة، حيث أصبحت أربيل قاعدة حيوية لمكافحة التنظيم، وأكدت الحاجة الماسة لتزويد القوات الكردية بأسلحة حديثة قادرة على مواجهة داعش مباشرة.
3. التوازن الاستراتيجي ضد إيران ونفوذها في بغداد
أحد الدوافع الرئيسية غير المعلنة هو إضعاف الحكومة العراقية المركزية. ومواجهة نفوذ إيران بزعم أنها تدعم فصائل شيعية و تدعم الحشد الشعبي، وتُعتبر تهديداً للمصالح الأمريكية. تسليح الأكراد يخلق توازنًا داخليًا داخل العراق، يمنع سيطرة بغداد الكاملة على الإقليم الكردي، ويحافظ على كردستان كحليف موثوق.
• الأدلة: وثائق الكونغرس لعام 2017 (قانون NDAA) تسمح بتسليح البيشمركة مباشرة، رغم معارضة بغداد. تقرير من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (WINEP) يشير إلى أن الولايات المتحدة ترى في الأكراد “سداً” ضد مزاعم التوسع الإيراني، خاصة مايتعلق بمنع تسليح الجيش العراقي عبر عرقلة صفقات أسلحة روسية وصينية.
• التأثير: هذا التوازن يمنع أي حكومة عراقية من السيطرة على حقول النفط الكردية، التي تشكل 20% من إنتاج العراق.
4. الاعتبارات الجيوسياسية الإقليمية والدولية
الولايات المتحدة ترى في الأكراد حليفاً استراتيجياً طويل الأمد في الشرق الأوسط، خاصة مع تركيا وإيران. تسليح البيشمركة يعزز الاستقرار في كردستان، التي أصبحت قاعدة أمريكية رئيسية.
• الأسلحة غير المتوفرة للجيش العراقي: الجيش العراقي يعتمد على أسلحة سوفييتية قديمة أو شراءات روسية/صينية، بينما يتلقى الأكراد تدريباً وأسلحة أمريكية حديثة.
5. الاعتبارات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة
في الكونغرس، هناك دعم قوي للأكراد من الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، كما في مشروع قانون “دعم البيشمركة” لعام 2019.
الآراء المعارضة والتحديات
• من جانب بغداد: الحكومة العراقية ترى في هذا التسليح انتهاكاً للسيادة، وتتهم واشنطن بـ”تقسيم العراق”.
• المخاطر: خبراء يحذرون من أن هذا قد يؤدي إلى صراع داخلي، خاصة مع مطالب الأكراد بالحقوق النفطية.
هل هذا الإصرار مبرر أم خطير؟
بناءً على هذا التحقيق، يتضح أن الإصرار الأمريكي على تسليح الأكراد بأسلحة متقدمة وغير متوفرة للجيش العراقي لا يرتبط بأي تهديد حقيقي من إيران، التي كان دورها تأريخياً يقتصر على دعم استقرار بغداد ومكافحة الإرهاب، كما يتضح من تدخل الشهيد قاسم سليماني في حماية أربيل ومنع سقوط البيشمركة أمام داعش. بل إن هذا الإصرار يعكس استراتيجية خبيثة للإدارة الأمريكية تهدف إلى خلق فجوة داخلية في العراق، وزرع الانقسامات بين بغداد وأربيل، والسيطرة على الموارد الحيوية والإقليمية لصالح مصالح واشنطن. بهذا يمكن القول إن التسليح الأمريكي ليس مجرد دعم لمواجهة داعش، بل أداة سياسية واستراتيجية لتحقيق أهداف أمريكية بعيدة المدى، على حساب وحدة العراق واستقراره.
المصادر الرئيسية المستخدمة في التحقيق:
• تقارير البنتاغون وNDAA (2015-2023).
• رصد مقابلات مع مسؤولين كرد..
• دراسات من MEI، WINEP، ومركز كارنيغي.
• وثائق الكونغرس وتقارير الأمم المتحدة.