زلزال سياسي وأمني يهز الكيان اللقيط

نجاح محمد علي، صحفي وباحث مختص بشؤون إيران والمنطقة:
“خدعوا البسطاء بادعاء أنهم سادة التجسس، فإذا بجدران أوكارهم المثقوبة تكشف عجزهم قبل أسرار الآخرين.”
كشف إخفاقات الموساد والشاباك: تفاصيل شاملة عن فشل الاستخبارات الصهيونية قبل هجوم 7 أكتوبر 2023
في أعقاب هجوم حماس المفاجئ في 7 أكتوبر 2023، الذي أسفر عن مقتل حوالي 1200 شخص وأسر نحو 250 آخرين، برزت أسئلة حول كيفية فشل الجهاز الاستخباري الصهيوني، الذي يُعتبر من أقوى الجهازات في العالم، في منع الكارثة. يركز هذا التقرير على إخفاقات الموساد (الاستخبارات الخارجية) والشاباك (الأمن الداخلي، المعروف أيضًا باسم شين بيت)، مع توسيع على التسريبات والاعترافات الرسمية التي كشفت عن تقصير ممنهج. هذه الإخفاقات ليست مجرد أخطاء فنية، بل تعكس مشكلات عميقة في الثقافة التنظيمية، السياسة، والقيادة، كما أكدت تسريبات أهارون هاليفا، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية في جيش الاحتلال الصهيوني.
خلفية الإخفاقات: التحذيرات المهملة والفشل في التنبؤ
زعمت تحقيقات داخلية وتسريبات إعلامية أن الجهاز الاستخباري الصهيوني كان على علم بخطط حماس المفصلة للهجوم قبل وقوعه بأشهر، بل سنوات في بعض الحالات. على سبيل المثال، حصل جيش الاحتلال على وثيقة حماس المعروفة باسم “جدار أريحا” (Jericho Wall) قبل عام من الهجوم، والتي وصفت بدقة التكتيكات المستخدمة في 7 أكتوبر، بما في ذلك استخدام الطائرات الشراعية والصواريخ والاقتحامات البرية. ومع ذلك، تم تجاهل هذه الوثيقة كـ”طموحة غير قابلة للتنفيذ”. 10 كما أن الشاباك كان يمتلك خطط المعركة الخاصة بحماس للهجوم في 7 أكتوبر 2023، لكنه فشل في أخذها على محمل الجد، مما يعكس تقصيرًا في تقييم التهديدات.
في مارس 2025، اعترفت الشاباك رسميًا بفشلها في منع الهجوم، مشيرة إلى أنها تلقت إشارات واضحة مثل تفعيل مئات البطاقات الخلوية في غزة ليلة الهجوم، لكن لم يتم اتخاذ إجراءات وقائية. ووصفت الوكالة الفشل بأنه “كامل”، مع الإشارة إلى أن الهجوم كان يمكن منعه لو تم التعامل مع التحذيرات بشكل صحيح. أما الموساد، الذي يركز على الاستخبارات الخارجية، فقد فشل في كشف التحضيرات الخارجية لحماس، بما في ذلك الدعم من إيران أو جهات أخرى، رغم سمعته في العمليات السرية. بعض التحليلات تربط فشل الموساد بتركيزه على تهديدات أخرى مثل إيران، مما أدى إلى إهمال الجبهة الجنوبية.
دور بنيامين نتنياهو: تجاهل التحذيرات الاستراتيجية
أحد أبرز الكشوفات جاء من تسريبات صوتية لأهارون هاليفا، الذي استقال في أبريل 2024 كأول مسؤول رفيع يتحمل مسؤولية الإخفاقات. في التسجيلات المسربة، التي بثتها قناة 12 العبرية في أغسطس 2025، أكد هاليفا أن نتنياهو كان على اطلاع كامل بالتحذيرات الاستخباراتية قبل 7 أكتوبر. وصلت التقارير مباشرة إلى مكتبه، وكذلك إلى قيادات الموساد والشاباك، لكن لم يتم اتخاذ أي إجراء. وأوضح هاليفا أن “كل معلومة من شعبة الاستخبارات تصل بشكل مستمر إلى رئيس الحكومة، الموساد، الشاباك”، مشيرًا إلى أن نتنياهو بدأ يتجنب الاجتماعات الدورية مع رئيس الاستخبارات، منخفضًا من مرة أسبوعيًا إلى مرة كل شهرين، لأنه “لم يكن يريد سماع ما لا يعجبه”.
في التسريبات، وصف هاليفا الإخفاق بأنه “أعمق بكثير من فشل استخباراتي”، بل هو امتداد لأخطاء متراكمة على سنوات، تتطلب إصلاحات جذرية. كما أشار إلى أن نتنياهو واجه التقارير “بالصراخ والجدال”، وأن كل شيء موثق برسائل رسمية تحتوي تحذيرات استراتيجية واضحة. هذه التصريحات أثارت زلزالًا سياسيًا، حيث اتهم نتنياهو بالتقصير الشخصي، خاصة أنه اتهم رئيس الشاباك بمعرفة احتمال الهجوم دون إيقاظه في الوقت المناسب.
إخفاقات الموساد: التركيز الخاطئ والثقافة التنظيمية
رغم سمعة الموساد في العمليات الجريئة (مثل اغتيالات في لبنان وإيران)، فشل في كشف التحضيرات لحماس خارج غزة. تحليلات تشير إلى أن الموساد اعتمد بشكل مفرط على التقنيات الإلكترونية، مما أدى إلى إهمال الاستخبارات البشرية في غزة. كما أن الثقافة التنظيمية داخل الجهاز، المبنية على الثقة المفرطة في القدرات، أدت إلى تجاهل الإشارات الواضحة. 3 في تقرير من مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت، تم وصف الفشل بأنه “استخباراتي واضح”، مع الإشارة إلى أن حماس نجحت في خداع الموساد من خلال تدريبات علنية تم تفسيرها كروتينية.
إخفاقات الشاباك: الفشل في الأمن الداخلي والحدود
الشاباك، المسؤول عن الأمن الداخلي والحدود، اعترف في تحقيق داخلي بـ”فشل كامل” في 7 أكتوبر. لم يتم تعزيز الحدود رغم التحذيرات، وتأخر الرد العسكري لساعات، مما سمح للحماس باختراق السياج الحدودي بسهولة.
كما أن الشاباك فشل في تفسير الإشارات الداخلية، مثل زيادة النشاط في غزة، واعتمد على افتراض أن حماس “مردوعة” اقتصاديًا. في أبريل 2025، اتهم نتنياهو رئيس الشاباك بتقصير استخباراتي، مما يعكس التوترات الداخلية.
الآثار الأوسع: صدمة مجتمعية ودروس للمستقبل
وصف هاليفا الوضع بعد الهجوم بـ”حالة صدمة دائمة”، مشيرًا إلى معاناة أهالي الأسرى والفشل في إدارة الحرب. كما أثار جدلاً بقوله إن الفلسطينيين بحاجة إلى “نكبة بين الحين والآخر”، معتبرًا مقتل عشرات الآلاف في غزة جزءًا من “دروس للأجيال القادمة”. 7 هذه التصريحات تعكس نظرة قاسية داخل الجهاز الاستخباري.
من هو أهارون هاليفا؟ ولد في حيفا عام 1967، انضم إلى الجيش عام 1985، وتدرج حتى أصبح رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في 2021. استقال في 22 أبريل 2024، معترفًا بمسؤوليته عن الإخفاقات.
أخيراً ، تكشف هذه الإخفاقات عن فجوات في التنسيق بين الموساد والشاباك، مع تأثير سياسي واضح من نتنياهو. التحقيقات المستقلة ضرورية لاستعادة الثقة، لكن حتى الآن، تبقى الأسئلة معلقة حول ما إذا كان الفشل مقصودًا أم نتيجة إهمال.