القسم السياسي

سيد الحب والحرب….. من الولادة حتى الشهادة

✍️ حوراء المصري:

هنا في المقهى القابع في وسط الضاحية الجنوبية، يضج بالكبار والصغار فضلًا عن الشبان، يجلس كل من الرفاق الثلاثة: علي وحسين ومحمد، يتبادلون أطراف الحديث، إلا أن صوت المذيعة الإخبارية يقطع حديثهم بقولها: اليوم في تمام الساعة الثامنة ليلاً سيلقي سماحة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله كلمته.”

 

ساد الصمت وارتسمت ملامح الحماس على وجوه الجالسين، ولا سيما هؤلاء الشبان الذين يكنّون الحب والاحترام للسيد، فإذا بأحدهم يقطع المشهد بقوله: اليوم لن أخرج معكم، سأستمع لكلمة سيد الحب والحرب وأنا في المنزل بكل هدوء.”

 

نعم، إنه حسن نصر الله، ذلك الذي يمتلك شخصية كارزماتيكية تجذب كل من يراها ويسمعها. نصر الله حامل البندقية والكلمة معًا ضد الاحتلال الغاشم، مرعب العدو، الأب الروحي للملايين، ملهم الشباب بالمقاومة، معلّمهم الكرامة والشرف. في شخصيته اجتمعت روح القائد العسكري الصلب وصوت الأب الحنون على الفقراء وأبناء الشهداء.

 

منذ ولادته حتى رحيله المهيب الذي زلزل لبنان والمنطقة، يبقى السؤال: من هو هذا الرجل الذي حفر اسمه في قلوب مؤيديه ومبغضيه؟

 

“حسن نصر الله….. من أزقة صور إلى العالم”

 

وُلد نصر الله عام 1960 في قضاء صور جنوب لبنان، ينتمي لعائلة متواضعة، بسيطة ومتديّنة. عاش فترة الاحتلال الصهيوني فرأى المجازر التي عانى منها أبناء منطقته، مما زرع بداخله روح المقاومة ضد الظلم والجور.

 

كان يميل للقراءة منذ الصغر، فضلًا عن حضوره لمجالس التفسير الديني في قريته. امتلك هدوءًا وذكاءً كبيرًا مما ميّزه عن أقرانه، فكان يحمل عقلًا ناضجًا في جسد صغير. تربّيه الدينية والاجتماعية منحته قاعدة فكرية قوية منذ الصغر، وكانت هذه المرحلة السبب في صقل شخصيته التي أصبحت فيما بعد من أبرز الشخصيات الجهادية والسياسية التي خطّت التاريخ، وغيرت المعادلات، وأعادت أمجاد المجاهدين ضد أي استعمار أو احتلال.

 

لم يكتفِ بالتعاليم الدينية في قريته، فشدّ الرحال إلى النجف الأشرف، وتتلمذ على أشرف وأطهر علماء الدين في العراق. فكيف كانت مسيرته الدينية والفكرية؟ وهل كانت السبب في توطيد روحه المقاومة؟

 

“فتى السادسة عشرة….. يطلب العلم من النجف والكوفة”

 

لم تقف حدود نصر الله في التعليم عند مقاعد المدارس التقليدية وبعض الدروس الدينية في المنطقة، إلا أن شغفه في العلم والدين دفعه لطلب العلم في النجف الأشرف حيث الحوزة الدينية. ذهب إلى العراق عام 1976 وهو في السادسة عشرة من عمره، وتتلمذ على يد كبار العلماء مثل السيد محمد باقر الصدر، الذي أضاء له طريق الجمع بين الفكر والعمل، والعقيدة والسياسة، مما ولّد بداخله دافعًا كبيرًا للجهاد والدفاع عن المسلمين.

 

انخرط أثناء عيشه في النجف في أجواء الثورة الإسلامية في إيران، فشهد الاضطرابات والتوترات التي غزت المنطقة، مما عزز وعيه السياسي. كانت هذه الفترة عصيبة على النجف ولا سيما العلماء، حيث التضييقات البعثية التي طالت التلامذة اللبنانيين في الحوزة، مما اضطره ورفاقه للعودة إلى لبنان عام 1978، آخذًا معه التعاليم الفكرية والدينية والسياسية التي أتقنها في العراق.

 

بعد عودته ذهب إلى بعلبك دارسًا في الحوزة هناك، وبدأ مساره يتعدى حدود العلم لينخرط في العمل التنظيمي الجهادي، بادئًا مرحلة جديدة من حياته، كانت أولى خطواته ليكون قائدًا سياسيًا وعقائديًا في المنطقة.

 

لم يكن ما حصده نصر الله من النجف الأشرف وبعلبك والثورة الإسلامية مجرد تعاليم دينية، بل هذه المراحل أشعلت بداخله عقلية عقائدية مقاومة ضد الاحتلال، ممزوجة بالسياسة والدبلوماسية التي ستطغى على الساحة اللبنانية والإقليمية لاحقًا.

 

“نصر الله….. قائد عقائدي وسياسي”

 

إن عودة نصر الله من النجف لم تكن مجرد انتقال عادي، بل فصلًا جديدًا من حياته. وسرعان ما وجد نفسه داخل معركة قاسية يمر بها لبنان: الاحتلال من جهة والحرب الأهلية من جهة أخرى. فالتحق بحركة أمل الإسلامية بادئًا طريقه الجهادي، إلا أنه انجذب للحركات الإسلامية الناشئة، ولا سيما أنه التقى بدعاة الثورة الإسلامية الإيرانية في بعلبك، الذين بدورهم أسسوا الفكر العقائدي المقاوم ضد العدو الغاصب.

 

مع تأسيس حزب الله في بداية الثمانينات، انضم نصر الله بكل قوة عازمًا على طرد العدو بكل ما أوتي من ثبات وإيمان. من كان يظن أن هذه البدايات التي بدأها كقائد ميداني يقاتل جنبًا إلى جنب مع المقاتلين ستكون الحجر الأساس الذي يقوده لاحقًا إلى القيادة العليا في الحزب؟

 

لم يستغرق الأمر طويلًا حتى أثبت نصر الله أنه ليس مجرد عنصر في صفوف المقاومة، بل فتى يحمل مواصفات القائد؛ ففكره وعلمه مثّلا قوة جوهرية ميّزته عن رفاقه. ومع تصاعد الهجمات واغتيال الأمين العام عباس الموسوي عام 1992، وجد حزب الله أن حسن نصر الله، ابن الثانية والثلاثين، هو الجدير بقيادة الحزب.

 

لم يتوقع العدو أن باغتياله السيد عباس الموسوي سيخلفه شخص أكثر جرأة وقوة مثل السيد حسن نصر الله.

 

قاد السيد نصر الله انتصارات المقاومة ضد الاحتلال، أبرزها عام 1996 تحت عنوان “عناقيد الغضب”، وكذلك التحرير الكبير عام 2006.

 

“نصر الله…. والحنكة السياسية”

 

تميّز نصر الله بذكائه في نسج التحالفات الداخلية مع بعض القوى السياسية كـ”التيار الوطني الحر”، حيث ضمن تأييد نصف الساحة المسيحية للمقاومة، فضلًا عن تحالفه السياسي والانتخابي مع حركة أمل، الذي جعل الجبهة الشيعية متماسكة فيما عُرف بالثنائي الشيعي.

 

كما أظهر حنكة سياسية في تعامله مع العدو، ففي عام 2008 قاد عملية مفاوضات تحرير المقاوم سمير القنطار ورفاقه مقابل جثامين جنود الاحتلال.

 

هذه العمليات رفعت من شعبية نصر الله لأنه قدّم نفسه كقائد يفي بوعوده، بينما أحرج العدو أمام جمهوره، إذ أثبتت المقاومة أنها قادرة على فرض شروطها.

 

“سيد القلوب…. حسن نصر الله”

 

لم تحظَ شخصية سياسية دينية في لبنان باحترام وحب جماهيري كما حظي السيد نصر الله، الذي جمع بين قوته وخوفه على شعبه. كان يمثل صوتًا للمستضعفين والمضطهدين، وربطته علاقة مميزة بعائلات الشهداء، فكان أبًا روحيًا لأيتام المقاومين.

 

امتلك شخصية متواضعة، دائمًا ما خاطب جمهوره بلغة عامية بسيطة، مما جعل الشعب يلقّبه بـ”سيد الحب والحرب”. فقد كان قائدًا جسورًا لا يهاب العدو، وأبًا حنونًا لشعبه.

 

“رحيل نصر الله…. يحزن محبيه”

 

سماحة الأمين العام حسن نصر الله شهيدًا على طريق القدس، ملتحقًا بقافلة شهداء كربلاء النورانية الخالدة.”

 

بهذه الكلمات عرف العالم خبر اغتيال سيد الأمة والمقاومة، في صدمة كبيرة لجمهوره الذي اعتاد على خطاباته وابتسامته الدافئة التي تبشّرهم بالنصر.

 

اعتقد العدو أن باغتياله سيكسر شوكة المقاومة، إلا أن ما حدث كان العكس؛ فقد ترك السيد حزبًا متماسكًا ومنظمًا بقدرات عسكرية وسياسية يصعب كسرها.

 

تحوّل نصر الله إلى أيقونة في الوعي والفكر، فخطاباته ومقولاته خلدها التاريخ. كان مثالًا في الوطنية والكرامة، ورمزًا للمقاومة في المنطقة والعالم.

 

رحل نصر الله جسدًا، لكنه بقي حاضرًا في الذاكرة كرمز لا يموت. كان سيد الحرب حين دقّت طبولها، وسيد الحب حين احتاجه شعبه. أثبت نصر الله أن بعض القادة يرحلون، لكنهم لا يغيبون عن الذاكرة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى