المقاومة اللبنانية… ثباتٌ يتحدى غدر الحلفاء وضغط الأعداء

نجاح محمد علي، صحفي وباحث مختص بشؤون إيران والمنطقة:
في أرض لبنان، حيث تتقاطع التحديات السياسية والأمنية مع جذور التأريخ العميقة، تبرز المقاومة كعنصر أساسي في حفظ الكرامة الوطنية. هذه المقاومة، التي يقودها حزب الله، لم تكن يوماً عملاً عسكرياً فقط لأنها في الأساس تعبير عن إرادة شعبية متجذرة في مواجهة الاحتلال الصهيوني والضغوط الخارجية. ومع ذلك، فإن مسيرتها لم تكن خالية من العقبات، خاصة تلك الناتجة عن تقلبات الحلفاء الذين كانوا يوماً شركاء في الطريق، ثم تحولوا إلى عوامل إضعاف داخلية. في هذا السياق، يبرز الفرق الشاسع بين الثبات الذي يميز المقاومة وبين الغدر الذي أبداه بعض من كانوا يدعون التحالف معها. هؤلاء، الذين استفادوا من تضحياتها، أزالوا الأقنعة عن وجوههم عندما تغيرت الظروف، مما يعكس هشاشة بعض التحالفات في الساحة اللبنانية.
منذ بداياتها، كانت المقاومة مدركة تماماً لطبيعة التحالفات في لبنان والمنطقة. هي لم تكن تتوهم أن هذه العلاقات مبنية على مبادئ دائمة، بل كانت تعلم أنها غالباً ما تكون مؤقتة، مرتبطة بمصالح مؤقتة للطرف الآخر. كان الحلفاء يستفيدون من شعبية المقاومة وسمعتها السياسية لتعزيز مواقعهم، ثم يغادرون عندما تهب رياح جديدة. رغم ذلك، اختارت المقاومة الصبر والتضحية، محملة أعباء هؤلاء الشركاء، ووقفت إلى جانبهم في كل مواجهة حاسمة. هذا الصبر لم يكن ضعفاً، بل استراتيجية مدروسة للحفاظ على الوحدة الوطنية قدر الإمكان، مع التركيز على نشر الوعي بالقضية الفلسطينية وتعزيز الروابط الوطنية.
وفي هذا الواقع ، ليس من الصحيح القول إن المقاومة أخطأت في اختيار حلفائها؛ فهم كانوا جزءاً من الواقع اللبناني المفروض، شركاء في الوطن يجب التعامل معهم. بناءً على ما هو متوفر، شكلت المقاومة تحالفاتها، محاولة بناء جسور الثقة والوعي الجماعي. ومع ذلك، عندما اشتدت الأزمات واشتعلت الجبهات، كشف الكثيرون عن وجوههم الحقيقية. أولئك الذين تغذوا من دماء المقاومة وارتفعوا على أكتافها، غدروا بها عند أول منعطف. هذا الغدر لم يكن مفاجئاً تماماً، لكنه أكد على هشاشة بعض الشخصيات السياسية التي تتقلب مع المصالح الشخصية.
خذ على سبيل المثال اتفاقية مار مخايل، التي كانت المقاومة تدرك قصر عمرها، لكنها استثمرت فيها بكل إمكانياتها، مقدماً أكثر مما أخذت. لم تكن هي من انسحبت أو بدأت الابتعاد، بل تركت وحدها أمام الضغوط، حيث تحول بعض الشركاء إلى مطالبين بتجريد المقاومة من أدواتها الدفاعية. هذا التحول كان واضحاً في مواقف بعض الشخصيات مثل جبران باسيل، الذي انقلب على التحالف بعد أن استفاد منه.
أما وليد جنبلاط، فهو نموذج للشخصية التي تتقن فن التنقل بين المواقف. فقد أحرق ذكرياته مع قيادة المقاومة قبل مغادرة الجيش السوري لبنان، وركب موجة التأثيرات الغربية مبكراً، ليصبح أحد أبرز المهاجمين لخيارات المقاومة ويشكك في مصداقيتها. هذا التقلب لم يكن سراً، لكنه يعكس كيف يمكن للبعض أن يغير ولاءاته بسرعة ليتناسب مع الرياح السياسية السائدة.
في السياق نفسه، هناك شخصيات مثل فيصل كرامي ووليد البعريني، اللذين كانا يوماً في خندق المقاومة، لكنهما غادرا بهدوء تام، دون إعلان أو اعتذار أو تفسير. أغلقا الأبواب خلفهما كأنهما لم يشاركا يوماً في النضال المشترك، مما يجعل فقدانهما غير مؤسف، بل دليلاً على عدم الالتزام الحقيقي.
من جانب آخر، وئام وهاب، الخبير في لعبة التموضع السياسي، ابتعد عن التحالف بسبب خلافات انتخابية سابقة، لكنه حافظ على بعض الروابط الأساسية، ملعباً دور الناصح للخصوم. نصحهم بعدم محاصرة “النمر الجريح”، بينما يترنح هو نفسه بين مواقف المقاومة والموقف العربي الآخر، مما يجعله شخصية معقدة في التحليل.
أما المير طلال أرسلان، الذي كان حليفاً وصديقاً، فلم يعادِ المقاومة بشكل مباشر، لكنه لم يدعمها كما يجب. اكتفى بالصمت في معظم المحطات، وظهوره كان محدوداً، مما يثير الشكوك حول مدى التزامه الحقيقي، خاصة أن وجود المقاومة يجب أن يكون أمراً أساسياً في حساباته السياسية.
وأخيراً، حسن مراد، الذي كان آخر الراحلين، توجه نحو مراكز النفوذ مثل دار الفتوى والرياض، محافظاً على مصالحه الشخصية في الجامعات والمشاريع. ترك المقاومة خلفه دون نظرة إلى الوراء، كأنها لم تكن سنداً له أو لوالده في السابق.
كل هؤلاء كانوا معروفين للمقاومة، التي أدركت جشعهم وتقلباتهم، لكنها صبرت ودعمتهم وضحت من أجلهم. اليوم، معظم هؤلاء الحلفاء السابقين وقفوا ضدها، مطالبين بتجريد سلاحها وانضماماً إلى صفوف الأعداء. رغم ذلك، لم تضعف المقاومة؛ بل بقيت صامدة، سلاحها جاهز، وعينها على الجنوب حيث يتربص العدو. هؤلاء المتقلبون يأتون ويذهبون، لكن المقاومة تبقى الثابت الوحيد، عماد الوطن وسيفه في وجه التهديدات.
في مواجهة هذه الخيانات الداخلية، تبرز التهديدات الخارجية كفقاعات صابون تذروها الرياح، خاصة تلك القادمة من الولايات المتحدة والاحتلال الصهيوني. في كل زيارة للمبعوثين الأمريكيين مثل هوكشتاين ، توماس باراك، ومورغان أورتاغوس إلى بيروت، لا يجد اللبنانيون سوى تكرار الضغوط السياسية والتهويل العسكري، بهدف نزع سلاح المقاومة وإخضاع لبنان لشروط الكيان الصهيوني وواشنطن. غير أن المقاومة حسمت أمرها نهائياً: السلاح ليس ورقة تفاوض، إنها جزء من الهوية الوطنية والوجود نفسه. هذا الموقف مستمد من تجارب تأريخية مع عدو معروف، جربت معه المواجهات وكسرت هيبته في حربي 2000 و2006.
الاحتلال الصهيوني، الذي اغتال قادة المقاومة ظاناً أنه يحطم بنيتها، لا يدرك أن دماء الشهداء تصبح وقوداً للصمود. رغم فائض قوته النارية، فشل في فرض الهزيمة، بينما خبرت المقاومة الحرب بكل أوجاعها دون فقدان الإرادة. معادلة الردع التي أقامتها المقاومة ليست شعاراً، بل واقع ميداني. التلويح بالحرب لم يعد فعالاً، فالتخلي عن السلاح يعني تسليم البلاد للاحتلال، مما يهدد الحرائر والأطفال والأرض بالسبي والتنكيل.
الخطر الأكبر هو التحدي الداخلي، حيث تسعى بعض القوى المحلية لتكون امتداداً لمشروع العدو، مستعدة للمواجهة. هذه الخيانة أشد وقعاً من العداوة الخارجية، لذا يجب بناء جسور للمستقبل في منطقة ستكون أكثر تعقيداً. المقاومة لم تهزم في السابق ولن تهزم، فمعادلة الردع ثابتة، والرهان على التنازل وهمي. هيهات منا الذلة، والصبح قريب.
أما رد على إهانة المبعوث الأمريكي (توماس باراك) للصحفيين، فهو ليس زلة، بل احتقار واضح للبنان ومؤسساته. الفضيحة الأكبر هي صمت الرئاسة الأولى وتواطؤ المترجمة في إخفاء العبارة، مما يجعل الإهانة مضاعفة. هذا الصمت ليس حياداً، بل جبن أمام موظف أمريكي تافه ذي خلفية صهيونية، تحول قصر بعبدا إلى صالون استقبال.
كيف يقبل رئيس الجمهورية هذه الإهانة في قصره؟ وكيف يسكت وزير الإعلام ورئيس الحكومة عن تعدٍ على الصحافة؟ لباراك نقول: أنت عابر بلا أخلاق، وإساءتك تهينك أنت. أما للرئاسة: صمتكم أشد إيلاماً، وانبطاحكم أخطر. كرامة الصحافة اللبنانية ليست للبيع، ودماء شهدائها أكبر من الإهانة. سقوط باراك في كلامه، وسقوط الرئاستين في صمتهما. يا عيب الشوم!
في الختام، تبقى المقاومة الثابت الوحيد في لبنان، مواجهة الخيانات الداخلية والتهديدات الخارجية بصمود يعكس إرادة شعب يرفض الذل. هذا الثبات ليس مصادفة، بل نتاج تضحيات مستمرة، تضمن للوطن كرامته وسيادته في وجه كل التحديات.