الوهابية بين الوظيفة السياسية والتكفير: قراءة في السياق التأريخي والسياسي

نجاح محمد علي، صحفي وباحث مختص بشؤون إيران والمنطقة:
الملخص التنفيذي
تطرح هذه الدراسة قراءة تحليلية في طبيعة الحركة الوهابية منذ نشأتها في الجزيرة العربية وحتى أدوارها السياسية المعاصرة. الفرضية الأساسية التي ينطلق منها البحث هي أن الوهابية لم تكن مجرد حركة إصلاح ديني كما تُقدَّم في خطابها الذاتي، بل أداة سياسية استُخدمت في خدمة الاستعمار الغربي وتكريس مصالح الكيان الصهيوني.
• أداة تكفيرية سياسية: يظهر أن معيار الوهابية في التكفير لم يكن عقدياً بحتاً، بل سياسياً بالأساس. فالصوفية، والشيعة، والزيدية، والإباضية جرى تكفيرهم لأنهم تبنّوا مواقف مقاومة للاستعمار الأمريكي والأطلسي وللاحتلال الصهيوني.
• الحُجج اللاهوتية مجرد ستار: قضايا مثل “المتعة”، “خلق القرآن”، و”القبورية” استُخدمت لتبرير العداء، لكن جوهر الموقف ينبع من التحالف مع القوى الاستعمارية.
• ازدواجية صارخة: في حين يُكفَّر مقاومو غزة السنية لكونهم أشاعرة، تتحالف الوهابية مع النظام الأذربيجاني ذي الأغلبية الشيعية بسبب علاقاته الوثيقة بالغرب والكيان الصهيوني.
• الوظيفة التأريخية: برزت الوهابية تأريخياً كقوة تقاتل الدولة العثمانية والقبائل العربية بدعم بريطاني، بينما كان الصوفيون يقودون المقاومة في المغرب العربي ضد الاستعمار الأوروبي.
• التطبيع نموذجاً: لو غيّرت إيران موقفها ودخلت في علاقات طبيعية مع الكيان المحتل، لأُعيد توصيفها فوراً في الخطاب الوهابي من “عدو صفوي مجوسي” إلى “حامية الإسلام”، بما يؤكد أن معيار الحكم هو الولاء للاستعمار والكيان الغاصب لا الانتماء العقدي.
تخلص القراءة إلى أن الوهابية تُوظَّف منذ نشأتها وحتى اليوم كذراع أيديولوجي للاستعمار ومشاريعه، وأن خطابها التكفيري يعمل كآلية لإضعاف قوى المقاومة وتشويهها، بما يضمن حماية الكيان الصهيوني ومصالح القوى الغربية في المنطقة.
مقدمة
تشكل الوهابية منذ القرن الثامن عشر إحدى أكثر الحركات الدينية إثارة للجدل في التأريخ الإسلامي الحديث. فقد ارتبطت منذ نشأتها الأولى في قلب الجزيرة العربية بتحالف سياسي-ديني بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود، الأمر الذي منحها بُعداً وظيفياً يتجاوز حدود الدعوة الدينية إلى مشروع سياسي توسعي. هذا الارتباط المبكر بالقوة والسلاح والدعم الخارجي مهّد لتحول الوهابية إلى أداةٍ تخدم استراتيجيات القوى الاستعمارية الكبرى، وهو ما يجعل دراستها تتطلب تجاوز الخطاب اللاهوتي إلى مقاربة سياسية تأريخية (مضاوي الرشيد، تاريخ السعودية، 2002).
التكفير بوصفه أداة وظيفية
من أبرز سمات الوهابية استخدامها المكثّف لآلية التكفير تجاه التيارات والمذاهب الإسلامية الأخرى. إلا أن التحليل الدقيق يوضح أن التكفير لم يكن مرتبطاً حصراً بالخلافات العقدية أو الفقهية، بقدر ما كان موجهاً سياسياً ضد القوى والتيارات التي تبدي مقاومة للاستعمار الغربي والهيمنة الأطلسية.
• الصوفية: جرى تكفيرهم بدعوى “القبورية” والبدع، لكن الدافع السياسي يظهر حين نلاحظ أن قادة صوفيين معاصرين مثل الرئيس الشيشاني رمضان قديروف، انخرطوا في مواجهة حلف الناتو والولايات المتحدة في الساحة الأوكرانية.
• الشيعة والزيدية: استُهدفوا تأريخياً بحجج مثل “المتعة” و”الرفض”، غير أن المواجهة المباشرة لقوى مثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحركة أنصار الله ضد القواعد الأمريكية وضد الكيان الصهيوني جعلت الوهابية تركز عداءها عليهم (حميد عنایت، الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، 1982).
• الإباضية: رغم كونهم مذهباً إسلامياً عريقاً، لم يسلموا من التكفير، خصوصاً حين عبّروا عن تضامنهم مع المقاومة الفلسطينية في غزة.
بهذا يتضح أن معيار التكفير لم يكن الموقف العقدي، بل موقع الخصم في معادلة الصراع مع القوى الاستعمارية والكيان الصهيوني.
الحُجج اللاهوتية كستار سياسي
تُستخدم قضايا مثل “خلق القرآن”، و”المتعة”، و”زيارة القبور” كذريعة لشيطنة خصوم الوهابية. لكن القراءة التاريخية تكشف أنها مجرد أدوات خطابية لإخفاء الانحياز السياسي. فحين يكون الخصم في مواجهة مباشرة مع النفوذ الأمريكي أو الكيان الغاصب، يجري استحضار هذه القضايا القديمة لتبرير تكفيره وإخراجه من دائرة “الإسلام الصحيح”، بينما يتم تجاهلها كلياً عند التعامل مع قوى أو أنظمة حليفة للاستعمار.
التناقضات في الموقف السياسي
أحد أبرز مظاهر الوظيفة السياسية للوهابية هو ازدواجية معاييرها في التعامل مع القوى الإقليمية:
• غزة: رغم أنها سنية، ورغم أن بعض الجماعات فيها تتبنى منهجاً سلفياً، إلا أن الوهابية تكفّر المقاومة الغزية بدعوى تبنيها الفكر الأشعري (أنظر: خالد الحروب، حماس الفكر والممارسة السياسية، 2000).
• أذربيجان: على النقيض، يتحالف التيار الوهابي مع قيادة أذربيجان رغم انتمائها المذهبي الشيعي، وذلك بسبب ارتباطها بتحالفات عسكرية وسياسية مع الولايات المتحدة والغرب، وفتحها قنوات تعاون واسعة مع الكيان الصهيوني (Svante Cornell, Azerbaijan Since Independence, 2011).
هذا التناقض يكشف أن معيار الوهابية ليس المذهب ولا العقيدة، بل الموقف من الصراع مع الاستعمار الغربي والكيان المحتل.
الدور التأريخي: من الجزيرة إلى العالم الإسلامي
عند مراجعة السياق التأريخي، نجد أن الوهابية برزت على مسرح الأحداث في لحظة ضعف الدولة العثمانية، الحاضنة السياسية والرمزية للعالم الإسلامي.
• في المغرب العربي، كان المتصوفة يقودون مقاومة ضد الاحتلال الفرنسي والإيطالي والإسباني (محمد المختار السوسي، المعسول، ج. 7، 1960).
• في الجزيرة العربية، كانت الوهابية تتحرك عسكرياً ضد الدولة العثمانية وضد القبائل العربية، مستخدمةً السلاح البريطاني ودعم القوة الاستعمارية الناشئة (David Commins, The Wahhabi Mission and Saudi Arabia, 2006).
بهذا، ارتبطت الوهابية منذ نشأتها الأولى بمشروع سياسي يستهدف تقويض الوحدة الإسلامية وتفتيت قواها الداخلية خدمةً للاستعمار.
معيار الولاء والبراء: التطبيع نموذجاً
التجربة المعاصرة تقدم مثالاً صارخاً على طبيعة الوهابية كأداة وظيفية. فلو أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ــ وهي اليوم العدو الأول في الخطاب الوهابي الرسمي ــ قررت الدخول في علاقات طبيعية مع الكيان المحتل، لجرى إعادة توصيفها من “دولة صفوية مجوسية” إلى “حامية الإسلام”، ولسارع كثير من الأنظمة العربية إلى فتح سفاراتها في طهران (أنظر: فواز جرجس، السياسة الخارجية الأمريكية والشرق الأوسط، 2008).
هذا الاحتمال النظري يوضح أن معيار الموقف الوهابي ليس الانتماء العقدي، بل موقع الدولة أو الجماعة في معادلة الصراع مع الاستعمار والكيان الغاصب.
📚 مراجع المقال:
1. مضاوي الرشيد، تأريخ السعودية، بيروت: دار الساقي، 2002.
2. حميد عنایت، الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، طهران، 1982.
3. خالد الحروب، حماس الفكر والممارسة السياسية، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2000.
4. محمد المختار السوسي، المعسول، مراكش، 1960.
5. David Commins, The Wahhabi Mission and Saudi Arabia, London: I.B. Tauris, 2006.
6. Svante Cornell, Azerbaijan Since Independence, Routledge, 2011.
7. Fawaz Gerges, The Superpowers and the Middle East, Boulder: Westview Press, 2008.