القسم السياسي

الشرق الأوسط بعد نصرالله: من تفكك التحالفات إلى إعادة رسم التحديات الجيوسياسية

✍️ نجاح محمد علي، صحفي وباحث مختص بشؤون إيران والمنطقة:

 

مقدمة: انهيار الرمز وتحولات التوازنات الإقليمية

 

اغتيال حسن نصرالله في غارة شنها الكيان الصهيوني على بيروت في سبتمبر 2024 أحدث صدمة هيكلية في بنية التحالفات الإقليمية، مما أدى إلى إعادة ترتيب اللاعبين الرئيسيين. هذا الحدث لم يقتصر على فقدان شخصية قيادية، فقد أثار تساؤلات حول استمرارية الاستراتيجيات التي اعتمد عليها محور المقاومة في مواجهة الضغوط الخارجية، مع ظهور فراغات أمنية في لبنان وسوريا. 

 

تاريخ المواجهات: من الانسحابات التأريخية إلى التصعيدات المتواصلة

 

منذ انسحاب الاحتلال الصهيوني من جنوب لبنان في عام 2000، مروراً بمواجهة 2006 التي أعادت تشكيل مفاهيم الدفاع غير التقليدي، أصبحت المنطقة تشهد نمطاً من التوترات المستمرة. هذه الفترة شهدت تطوراً في أساليب المقاومة، حيث أدت إلى تعزيز القدرات غير النظامية، مما جعل الخصوم يعيدون حساباتهم في كل تحرك ميداني. 

 

أزمة أكتوبر 2023: بوابة للتغييرات العميقة

 

اندلاع التصعيد في غزة في أكتوبر 2023 فتح أبواباً لتصعيدات لم تكن متوقعة، مما أدى إلى توسع النزاعات إلى جبهات متعددة. هذا السياق أبرز ضعف التحالفات القائمة، حيث أصبحت المنطقة عرضة لمخططات إعادة ترسيم الحدود، مع زيادة الضغط على الدول المجاورة لإعادة تقييم مواقفها. 

 

مرحلة التصعيد الشامل: من الضربات المحدودة إلى الاستراتيجيات الجريئة

 

في الفترة الحالية، يظهر تصعيد غير معهود يشمل:

 

    • مواجهات مباشرة مع إيران، بعد عقود من التوترات غير المباشرة.

 

    • عمليات عسكرية في سوريا ولبنان تحولت إلى رسم خطوط نفوذ دائمة.

 

    • خطط إقليمية تتجاوز الشام لتشمل مناطق في شمال أفريقيا والخليج الفارسي، مدعومة بتحركات ميدانية حقيقية.

 

هذا النهج يعكس تحولاً نحو هجوم استراتيجي يستغل الفراغات الناتجة عن فقدان القدرات الرادعة. 

 

الردود الرسمية العربية: بين التصريحات الدبلوماسية والواقع الميداني

 

ردود الفعل الرسمية في العالم العربي ظلت محصورة في إصدارات دبلوماسية محدودة التأثير، غير قادرة على مواجهة التغييرات الجغرافية السريعة. من اتفاقيات التقسيم التأريخية إلى المخططات الحديثة، تستمر عمليات إعادة رسم النفوذ، لكن بدون وجود آليات فعالة للحفاظ على الاستقلال الوطني. 

 

موقف أنقرة: التحذيرات الأمنية والاقتصادية

 

أعربت الاستخبارات التركية عن مخاوفها من اضطرابات التوازن الإقليمي، معتبرة أن التصعيد في الجبهات الإيرانية والسورية قد يؤدي إلى تداعيات تصل إلى حدودها. تركيا تدرك أن الانهيارات في الجنوب قد تثير اضطرابات في الشمال، مما يهدد استقرارها الداخلي والخارجي. 

 

الانهيار الرمزي: فقدان الثقة والأمان الجماعي

 

أدى اغتيال السيد نصرالله إلى تفكك رمزي في الوعي الجماعي، مما أعاد إحياء مشاعر الضعف وقلة الثبات. هذا الفراغ يمتد إلى الأبعاد النفسية، حيث أصبحت الشعوب تواجه تحديات في الحفاظ على الثقة بقدراتها الدفاعية. 

 

الانتقال من الاستقرار النسبي إلى الفوضى المفتوحة

 

انتقلت المنطقة من مرحلة التوازنات الهشة إلى عصر التحولات السريعة، حيث أصبحت كل العناصر قابلة للتعديل: إعادة تعريف الكيانات، توسيع النفوذ بدون حدود. المنطقة اليوم تشبه مجرى نهر متدفق، يغير مساراته دون قيود واضحة.

 

التحدي الرئيسي: ظهور بدائل دفاعية

 

يظل الاستفسار الأساسي: هل ستبرز قوى جديدة قادرة على إعادة بناء آليات الدفاع الإقليمي؟ أم أن الفراغ سيؤدي إلى سيطرة كاملة للطموحات التوسعية، مما يغير المنطقة إلى فضاء يُدار بالقوة المطلقة؟ 

 

التداعيات اللاحقة: إعادة تشكيل المنطقة

 

مغادرة السيد نصرالله أعلنت عن بداية حقبة مليئة بالتحديات، حيث يجب إعادة بناء هياكل دفاعية تحمي الدول من الانهيار، أو مواجهة إعادة هيكلة كاملة تعتمد على ميزان القوة وحدها. الفراغ المتبقي يطرح استفسارات حول القدرة على مواجهة التحديات المقبلة. 

 

تأثير على إيران: إعادة تقييم الاستراتيجيات الإقليمية

 

أدى الاغتيال إلى صدمة في طهران وعموم محور المقاومة ، حيث كان السيد نصرالله يدير عمليات في لبنان وسوريا، مما يغير التوازن مع الكيان اللقيط. إيران تواجه الآن تحدياً في تحالفاتها، مع سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، الذي ألغى استثمارات طويلة الأمد، وارتباك الوضع في العراق بسبب الخلافات السياسية وأداء الإطار التنسيقي الضعيف و الانشغال بالمغانم، وتعاظم  نفوذ الطابور الخامس المعادي لايران ومحور المقاومة . 

 

سقوط الأسد: تحول في التوازن التركي-إيراني

 

سقوط بشار الأسد غير التوازنات، مما أعطى تركيا دوراً أكبر في المنطقة، مقابل تراجع إيراني. هذا التغيير لم يعد يركز فقط على طهران، بل يعكس تنافساً تركياً يهدد الاستقرار الإقليمي. 

 

التحالفات الجديدة: من اتفاقيات أبراهام إلى الترتيبات الأمنية

 

شهدت المنطقة انتقالاً من الكتل الثابتة إلى ترتيبات مرنة، مدعومة باتفاقيات أبراهام والتقارب السعودي-الإيراني الذي يحد من قدرة ايران على التحرك ضد التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني. الولايات المتحدة تبقى ضامناً أمنياً أساسياً لهذا التطبيع و محرضاً على ايران، لكن دور الصين في الوساطة وروسيا في الطاقة يعززان الخيارات المتعددة لدول خليج فارس، و يضعف موقف ايران. 

 

الضغوط على حزب الله: خليفة محتمل وإعادة الهيكلة

 

مع فقدان السيد نصر الله ودوره المتميز غير قابل للتعويض بسبب شخصيته والكاريزما الربانية الخاصة به ، والإصرار على تنفيذ الورقة الامريكية، مما يفرض على حزب الله إعادة تنظيم داخلي في ظل أزمات لبنان. هذا الفراغ يجعل جزء الله أمام خيارات بين نزع السلاح أي الموت أو الاستمرار في المواجهة. 

 

فرص السلام والتصعيد: تغييرات في نظرة الكيان الصهيوني

 

بعد أكتوبر 2023، تغيرت نظرة الكيان اللقيط للحدود، مما يجعله يتجاوز الخطوط التقليدية لحماية أمنه. هذا يفتح أبواباً لمحادثات تاريخية مع سوريا الجديدة، لكن يزيد من التوترات في الضفة الغربية وغزة. 

 

الآفاق المستقبلية: بين الفوضى والإعادة التشكيل

 

مع تراجع روسيا وتقدم تركيا، أصبحت المنطقة أمام إعادة رسم تحالفات، قد تؤدي إلى تطبيع أو تصعيد شامل. التحدي يكمن في بناء آليات أمنية مشتركة، مثل الدفاع الجوي المتكامل، لمواجهة التهديدات المتعددة. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى