العمامة… حرب الغرب على هوية الأمة!

حوراء المصري:
منذ قرون طويلة، كانت العمامة أكثر من غطاء يُلف على الرأس، فهي راية تُرفع في وجه الطغيان والظلم، ودلالة على العلم والدين، يقتدي بها كثيرون. إلا أن هذه العمامة اليوم تواجه حربًا شرسة من الغرب، بعدما أدركوا قدرها، فأصبحت كابوسًا يفشل مخططاتهم. فشنّوا حملات متواصلة لتشويه سمعتها بغية إسقاطها. والسؤال الذي يبرز هنا: هل المستهدف هو قطعة القماش، أم الهوية التي تحملها هذه القطعة؟
لماذا يخشى الغرب رجل العمامة أكثر من خوفه من جيوش مدمّرة؟ وهل يمكن أن نفهم أن هذه الحرب ليست إلا استهدافًا للإسلام نفسه؟
“العمامة… تأريخ في مقارعة الظلم”
العمامة أو ما عُرفت قديمًا بـ”تيجان العرب”، كان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله يعتمرها في بعض الغزوات الدعاية ، فارتبطت بالقيادة والجهاد فضلًا عن الوقار، مما جعلها رمزًا للهيبة والقدوة.
بعد انتشار الإسلام أصبحت العمامة الزيّ الرسمي لطلاب العلم والعلماء؛ فمن الأزهر إلى قم مرورًا بالنجف والحجاز ثم الهند، لم يكن أحد يتصور عالمًا بلا عمامة، فهي اقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله. وجودها كان يشعر العامة بوجود قائد يتحمّل المسؤولية، ولا سيما بعد وفاة الحبيب المصطفى.
هذه الراية لم تُمثّل الدين والعلم فقط، بل كانت عنصرًا فاعلًا في الحياة الجهادية ضد الاستعمار. فمنذ دخول الاحتلال الغربي إلى المنطقة مثّلت صوت الحق ضد الظلم، فحرّض كثير من العلماء على المقاومة ضد الغزو الأجنبي، ما جعل الغرب يسعى إلى اغتيال القامات الرفيعة من أهل العمامة خوفًا على مصالحه، وأبرزهم:
• السيد موسى الصدر في لبنان، الذي كان له دور بارز في قيام المقاومة اللبنانية، مهدّدًا أمن الاحتلال الصهيوني.
• السيد محمد باقر الصدر في العراق، الذي وقف ضد ظلم صدام حسين آنذاك، وشكّل خطرًا على النظام، فتم إعدامه بأوامر صدام وبتواطؤ أمريكي.
• السيد محمد باقر الحكيم في العراق، الذي أرعب الغرب والاحتلال الصهيوني، فدبّر الموساد اغتياله بأيدٍ عربية مأجورة.
لقد شكّلت هذه القامات هاجسًا للهيمنة الأجنبية، خصوصًا أمريكا والكيان الصهيوني. الغرب لم يتعامل مع العمامة كلباس ديني، بل كهوية وانتماء وخط فكري يهدد مصالحه، لذلك استهدف العلماء مباشرة بسبب قدرتهم على تعبئة الشارع.
لكن طرق الاستهداف تغيّرت في يومنا هذا، وأصبحت تتبع الحرب الناعمة، أي حرب الفكر والتشويه والتضليل.
“العمامة تحت مجهر الحرب الناعمة”
لم تعد العمامة تُستهدف بشكل مباشر كما في الماضي، بل صار الغرب يستخدم الحرب الناعمة ضد هذا الرمز. فإعلامهم يصوّر رجل الدين المعمّم على أنه متخلف ومتطرف، يشوّه الإسلام والهوية، مما يدفع العالم للاعتقاد بأن كل من يعتمرها إنسان رجعي.
كما أدخلوا العمامة في سياقات الكوميديا والتفاهة، فحوّلوها إلى مادة للسخرية والشتم، لتفقد هيبتها في المجتمع. الهدف واضح: زرع انطباع سلبي لدى الجمهور بأن العمامة تعيق التطور، وبالتالي تقليص أثرها الروحي والسياسي.
لم يكتفِ الغرب بذلك، بل سعى لمنعها من دخول ميدان السياسة، لتجريدها من قوتها الحقيقية. وهذه الحرب أخطر من أي حرب عسكرية، لأنها تستهدف الوعي والفكر. فإذا نجحوا في تشويه صورة العمامة وإضعاف العلماء، ستفقد الأمة حصنها، ويصبح الشباب بلا مرجعية روحية وأخلاقية.
“العمامة والبروباغندا الغربية”
بعد الغزو الأمريكي للعراق 2003، استُهدف بعض العلماء الذين دعموا المقاومة، وصُوّروا كمعرقلين للعملية الديمقراطية. الهدف كان إضعاف ثقة الشعب بالمرجعية، وفرض فصل السياسة والمقاومة عن العمامة.
في إيران، بعد الثورة الإسلامية، ركّز الإعلام الغربي على تشويه صورة القادة المعمّمين، فوصفوهم بالدكتاتورية والحرمان من الحرية، ليضربوا مكانة الإمام الخميني سابقًا والإمام الخامنئي اليوم.
أما في لبنان، فقد ارتبطت العمامة بالعمل الجهادي المقاوم ضد الاحتلال، ممثلةً بقامات مثل السيد موسى الصدر، الشيخ راغب حرب ، السيد عباس الموسوي، والسيد حسن نصر الله. لذلك صوّرت البروباغندا الغربية حزب الله كميليشيا، بدل كونه رمزًا للحماية والمقاومة، لتقليص شرعية العمامة.
في السعودية والبحرين، تعرّضت العمامة للتضييق والعزل عن العمل السياسي والإعدام مثل الشيخ نمر النمر ، ووُضع العلماء تحت الإقامة الجبرية، بهدف إخضاعهم للسلطة ومنع أي مواجهة داخلية تعرقل الهيمنة الغربية.
“العمامة… نسيج المقاومة”
رغم كل ذلك، بقيت العمامة رمزًا للثبات ومناهضة الظلم. حاول الغرب تشويهها، لكنه اصطدم بعلماء أكفاء قادوا شعوبهم بحكمة وشجاعة.
لقد بثّ قادة أمثال الإمام الخامنئي الرعب في قلوب الأعداء، وأسسوا محور المقاومة الذي بات أكبر كابوس للهيمنة الغربية.
العمامة ماعادت مجرد زيّ، وإنما شرعية دينية وأخلاقية تمنح المقاومة قوة تتجاوز السياسة. سقوط العمامة يعني سقوط المقاومة، لأنها منبع شرعيتها.
وإذا أردنا أن نستحضر نموذجًا خالدًا للعمامة التي واجهت الاستعمار وأحدثت تحوّلًا عالميًا ، نستحضر الإمام الخميني قدس سره، فقد كانت عمامته رمزًا للثورة التي أطاحت بطغيان الاستبداد، وبثّت روحًا جديدة في الأمة. وصفه وزير الحرب الصهيوني السابق موشيه دايان بـ”زلزال القرن”، إذ قال إن الثورة الإسلامية “كانت زلزالًا عالميًا لم يهدد الشرق الأوسط فحسب، بل خلق جبهتين متقابلتين في العالم” . هذه العمامة التي حملها الإمام، لم تقف عند حدود الجغرافيا؛ لأنها أثارت رعب أعداء الأمة، لأنها حملت معها إرادة التحرر والعدالة من جديد.
لقد أثبتت عمامة الإمام الخميني أن قطعة قماش تُلفّ على الرأس يمكن أن تُفكّك إمبراطوريات، وتصنع ملامح أمة لا تنحني
“العمامة باقية ما بقي الزمان”
إن العمامة حصن الأمة الإسلامية، والحرب عليها حرب على الهوية والدين. ومن يربح هذه الحرب سيرسم ملامح مستقبل الأمة. لذلك، لا ينبغي التهاون مع الحرب الناعمة، بل مواجهتها بالوعي والتمسك بالهوية.