القسم السياسي

“إسرائيل الكبرى مهمة روحية يقودها نتنياهو”

✍️ حوراء المصري:

 

منذ ولادة الفكر الصهيوني، وهو يلاحق وعدًا دينياً غامضًا من النصوص التوراتية، وهي “إسرائيل الكبرى” أو ما يعرف بسفر التكوين “بأرض الميعاد”، فتحول هذا الحلم من أسطورة دينية إلى مشروع سياسي صهيوني حديث، توارثه زعماء الحركة الصهيونية واعتبروه أساس النشأة. ففي بدايات الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر بقيادة ثيودور هرتزل مع بعض اليهود الذين طرحوا فكرة “الوطن القومي” دون حدود واضحة، كانت الأولوية عند قيام دولة الكيان هي تثبيت وجوده فقط، إلا أن الحلم لم يغب عن الخطابات السياسية والدينية.

أما اليوم، فيقود بنيامين نتنياهو راية هذا المشروع الذي يراه مهمة روحية، فهو يرى نفسه حارسًا لهذا الحلم، والذي بدوره يتخذه غطاء لمجازره بحق الفلسطينيين، وبهذه الطريقة يطيل فترة حكمه. إن هذا الحلم لا يكتمل إلا بترسيم حدوده الجغرافية تبعًا لما ورد في النصوص التوراتية “من النيل إلى الفرات”، وقد بدأ بالفعل بتنفيذ خططه السياسية.

“من النيل إلى الفرات… حدود الوهم وحدود الدم”

إن ما يحلم به الصهاينة ليس مجرد إقامة وطن قومي لليهود، بل الفكرة أعمق من ذلك. مصطلح “من النيل إلى الفرات” يوضح أن الكيان يطمح لتحقيق ما يعرف في النصوص التوراتية بـ”أرض الميعاد”، فبحسب ما تذكره خطاباتهم الدينية والسياسية فهي تضم كل من فلسطين، سوريا، لبنان، الأردن، العراق وأجزاء من السعودية.
ما يروج له الكيان عبر خطاباته يظهر على أرض الواقع كـ “وهم كبير” يعيش فيه الصهاينة، فلا توجد خريطة رسمية تعتمدها تل أبيب أمام الملأ لما يعرف بـ “إسرائيل الكبرى”، إنما صورة رمزية توسعية نسجت من أساطير دينية عفى عليها الزمن.
تنعكس هذه الفكرة عمليًا عبر الاستيطان، والضم الزاحف للقدس والجولان، فيسعى الكيان لفرض عمق أمني يتعدى حدود دولته، بل حول بعض دول الجوار إلى نطاقات نفوذ، مما جعله يعتقد أن تحقيق الحلم سهل، إلا أن هذه الجغرافيا الخيالية تصطدم بالواقع الذي يرفض هذا المشروع، ولا سيما العراق.

العراق يظهر على هذه الخريطة الرمزية كجزء أساسي من الحلم التوسعي للكيان، لكن الواقع مختلف جدًا، فالعراق يخوض حربًا ضد الكيان منذ عام 1948، وشاركت القوات العراقية في الكثير من الحروب ضد الاحتلال مثل 1948، 1967، و1973، ما جعل أي تصور يطال العراق ويخترق سيادته بعيدًا عن الواقع.
المكانة الجغرافية لبلاد الرافدين جعلت منه خطًا استراتيجيًا عربيًا صعب الاختراق، فضلاً عن وعي الشعب العراقي بالموقف التوسعي، مما منح العراق قوة وطنية رادعة للكيان وأحبط مطامعه تجاه الفرات.

إن ما أظهره الكيان من خطط لتحقيق الخريطة الموعودة جعل الحدود الورقية تتحول إلى سلاح سياسي وحسابات داخلية وخارجية، يستخدمها نتنياهو لإحياء ملفات التطبيع في المنطقة فضلاً عن تثبيت سلطته في الداخل الإسرائيلي.

“نتنياهو والحلم الروحي… لإسرائيل الكبرى”

يعتبر رئيس الوزراء للاحتلال بنيامين نتنياهو أن مشروع “أرض الميعاد” ليس مجرد نص ديني عابر يذكر في الأسفار، إنما أداة لتثبيت حكمه داخل الكيان. فقد استخدم هذا الحلم لاستدرار مشاعر اليهود وإيهامهم بالوطن القومي، مما سمح له بتوجيه الرأي العام كما يشاء، فدعمه لهذا المشروع عزز صورته كقائد حاسم يردع التهديدات الخارجية.

“التطبيع أداة لتحقيق خريطة الميعاد”

اتخذ نتنياهو التطبيع كأداة مساعدة لتحقيق الحلم في السياسات الإقليمية، فوطد علاقته ببعض الدول العربية لخدمة مشروعه القومي. هذه الاتفاقات ليست مجرد علاقات اقتصادية أو دبلوماسية فقط، بل تمثل تخفيفًا للعزلة الإقليمية في المنطقة، وتعزز نفوذه في الشرق الأوسط عبر دول الخليج المطبعة.
الكيان يلقى الرفض من بعض الدول العربية والإسلامية، لذلك يعتمد على الدعم الغربي، خصوصًا أمريكا التي تعتبره “طفلها المدلل”. إن دعم الغرب لها يساعدها في ترجمة المشروع من الموقف الرمزي إلى الفعلي، فالتمويل العسكري والغطاء السياسي الذي تمنحه الولايات المتحدة والأمم المتحدة يشكلان أدوات لتسهيل هذا المشروع، إلا أن هذه المحاولات تتلقى الفشل دائمًا، خصوصًا عند وجود مقاومة عربية إسلامية حرة ترفض الهيمنة غير الشرعية.

“لماذا يفشل المشروع رغم دعم الغرب؟”

رغم كل التحالفات السياسية الإقليمية والدولية، يبقى هذا المشروع محدودًا بواقع صعب ومعقد، بدءًا من المقاومة الفلسطينية في غزة، مرورًا بحركات المقاومة في لبنان والعراق، وصولًا إلى أكبر التهديدات أمام المشروع ألا وهي إيران التي تبنت فكرة إحباط هذا المشروع الغاشم.
رفض الشعوب العربية والإسلامية لهذا الحلم جعل منه رهين الورق، يصعب تحقيقه.

إن اتحاد فرق المقاومة في لبنان عبر حزب الله، والعراق بالحشد الشعبي، واليمن عبر الحوثيين، شكلوا حلقات متكاملة قادرة على كسر الهيمنة الصهيونية، وجعل أي تحرك جغرافي مكلفًا للكيان.

إيران تعد أكبر التهديدات الإقليمية لأمن الكيان، بما تقدمه من دعم سياسي وعسكري للفصائل المقاومة، فقد واجه الكيان خطراً كبيراً في المنطقة. إيران، بما تمتلكه من صواريخ متقدمة فضلًا عن مشروعها النووي الذي يوشك على الانتهاء، شكلت هاجسًا أمام الكيان، ورسالة واضحة أن أي توسع في المنطقة يواجه ردًا خطيرًا، ما جعل الحلم التوسعي يتبدد.

“المقاومة الكابوس الذي يطارد المشروع الصهيوني”

شكلت المقاومة الإسلامية في المنطقة تهديدًا قويًا للكيان، فهي تعد حائط صد لطموحات الاحتلال في السيطرة على المنطقة بحجة “إسرائيل الكبرى”.
ولا سيما غزة، التي لعبت دورًا مهمًا في تضييق الخناق بشأن الخرائط الوهمية، ففرضت المقاومة الفلسطينية معادلة ردع للقوة الإسرائيلية، وظهرت كالسكين الذي يُغرز في خاصرة الكيان، مما جعله يخطط لتهجير أهالي غزة ونقلهم إلى سيناء ومحاولة استمالة مصر لقبول هذا الوضع عن طريق إسقاط الديون المترتبة عليها، إلا أن هذا الطرح لاقى رفضًا قاطعًا من مصر.

في نهاية المطاف، إن مشروع “إسرائيل الكبرى” لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يتحقق في المنطقة، فهناك من يمتلك القوة لردع هذا الوهم، ويجعل الحلم مجرد حبر على ورق، أو فكرة ووهم في عقول أصحابها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى