نبيه بري: نباهة العقل وصلابة الموقف

حوراء المصري:
نبيه بري أحد أبرز الشخصيات السياسية في لبنان. درس الحقوق في الجامعة اللبنانية، وشغل مناصب عدة وصولًا لمنصبه الحالي كرئيس لمجلس النواب منذ عام 1992 حتى الآن. بدأ حراكه السياسي في حركة أمل، التي أسسها الإمام موسى الصدر عام 1975. بعد تغييب الإمام موسى الصدر، تولى نبيه بري قيادة الحركة، ولعب دورًا مهمًا في الحفاظ على التوازن السياسي في الداخل اللبناني.
يعتبره الكثير من اللبنانيين، وخصوصًا أبناء الطائفة الشيعية، صوتًا معتدلًا ومؤثرًا في السياسة الداخلية والإقليمية. شكل تحالفًا استراتيجيًا مع حزب الله، ليكون من أبرز السياسيين المساندين لمحور المقاومة، ولا سيما حزب الله.
العلاقة الروحية مع المرجعية العليا
منذ بداياته في حركة أمل، ربطت بري علاقة روحية متينة مع المرجعية العليا في النجف الأشرف، وذلك لكون الإمام المغيب كان له صلة مباشرة بالنجف، حيث درس وتعلّم على يد كبار العلماء. يعتبر بري أن أي قيادة شيعية لا تكتمل إلا بوجود غطاء روحي من المرجعية.
دوره بعد رحيل السيد حسن نصر الله
أهم ما يميز مسيرة نبيه بري هو دوره في معادلة المقاومة، ولا سيما بعد رحيل سماحة الشهيد السيد حسن نصر الله.
بعد رحيل الشهيد السيد حسن نصر الله، والذي كان بمثابة زلزال سياسي وعقائدي في لبنان والمنطقة، وخاصة على معنويات حزب الله، برز دور نبيه بري الذي عمل على رفع المعنويات وضمان استمرار المقاومة.
لعب بري دور الموازنة الداخلية في الأسابيع الأولى بعد الاستهداف، حيث عمل بحنكة وذكاء على تهدئة الساحة اللبنانية ومنع تفكك الجبهة الشيعية، مع مواجهة الأصوات التي طالبت بتقليص نفوذ حزب الله في الداخل.
بعد تسلم الشيخ نعيم قاسم قيادة الحزب، عمل بري على تثبيت شرعية الشيخ نعيم من خلال خبرته الطويلة مع حزب الله، فضلاً عن تمثيله جسرًا سياسيًا بين المقاومة والدولة اللبنانية، التي كانت تطالب بنزع السلاح. شكل بري صلة وصل مع كل من طهران والنجف، مما عزز استمرار الدعم الديني والسياسي للمقاومة.
بري والنجف: مصدر قوته السياسية
يعتبر المرجع الأعلى في النجف الأشرف من أبرز الشخصيات الدينية في الإسلام، وخصوصًا عند المذهب الشيعي، والتي تمنح القوى السياسية الشيعية ثقلاً روحياً وأخلاقياً.
نبيه بري من خلال علاقته المبنية على الاحترام المتبادل، يحظى بتقدير كبير من المرجعية، التي تثق بحكمته واعتداله في مواقفه السياسية، ولا سيما ما يخص الشيعة والمقاومة. هذا الأمر يجعل أي موقف يتخذه بري يظهر على أنه متوافق دينيًا وأخلاقيًا مع المرجعية.
إن موقف المرجعية جعل أي قرار يتخذه بري صعب التشكيك فيه أو الانتقاد داخليًا، مما عزز التوازن بين السلطة السياسية والدينية.
تجلت هذه العلاقة في الكثير من المواقف، حيث دعمت المرجعية حركة أمل في قرارات سياسية تصب في المصلحة الوطنية خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990)، ودعت إلى التهدئة ووقف الاقتتال الداخلي بين الفصائل الشيعية والفصائل اللبنانية الأخرى.
كما كان موقف المرجعية من أحداث عام 2000 قبل الانسحاب الإسرائيلي واضحًا، حيث شددت على ضرورة دعم المقاومة في طرد الاحتلال، مما منح بري وحركة أمل الشرعية للتنسيق مع المقاومة وحماية أهالي الجنوب. كل هذه المواقف جعلت منه وسيطًا قادرًا على حماية الشيعة والمساهمة في حفظ السلم الأهلي.
حركة أمل والمرجعية: تأريخ طويل في نصرة الحق
في زمن حكم البعث، واجهت المرجعية الكثير من الضغوط السياسية، حيث حاول البعث تقليص نفوذ العلماء والسيطرة على المكون الشيعي.
هنا لعبت حركة أمل بقيادة الإمام المغيب دورًا فعالًا، وأظهرت دعمًا سياسيًا ودينيًا ضد محاولات النظام البائد لتضييق الخناق على المرجعية.
الجدير بالذكر أن حركة أمل كانت من القوى القليلة في لبنان التي وقفت إلى جانب المرجعية، وهو ما عمل على تطوير العلاقة بين المقاومة اللبنانية والمرجعية في النجف، ومنح أمل دعمًا سياسيًا في مواقفه دون التعرض لضغوط من الداخل والخارج اللبناني.
هذه المساندة التأريخية جعلت من بري شخصية محترمة لدى جميع القوى السياسية الداخلية والإقليمية، وأصبحت الروابط التي أرستها حركة أمل مع النجف اليوم أساسًا متينًا لدوره في ضمان بقاء المقاومة في لبنان وحماية مصالح محور المقاومة.
بري: الدبلوماسي المقاوم
اليوم، لما يمر به حزب الله من ضغوط داخلية وخارجية بشأن سحب سلاحه، يبرز دور نبيه بري الذي وقف في وجه هذه القرارات الأمريكية.
الشارع اللبناني والمقاوم خصوصًا ينظر إليه كضامن للاستقرار وبقاء المقاومة. بحنكته يحرك الملفات السياسية بهدوء، مستندًا إلى خبرته وعلاقاته الجيدة مع باقي الأطراف السياسية في لبنان، فضلًا عن صلته العميقة مع المرجعية، والتي تساعده على إفشال أي محاولة لزعزعة حزب الله دون إثارة اضطرابات قد تعرض لبنان لحرب أهلية أخرى.
نبيه بري سند المقاومة
نبيه بري شخصية دعمت المقاومة ، فهو يجمع بين السياسة وشرعيته الدينية التي تلقى دعمًا كبيرًا من النجف. اليوم، يمثل جسراً بين الماضي والحاضر والمستقبل، حيث تجمع الخبرة الطويلة والتأييد من قبل المرجعية لتجعله سندًا للمقاومة وحامياً لاستقرار لبنان الداخلي والخارجي.