القسم السياسي

الانتحار والاستغلال السياسي في العراق

✍️ نجاح محمد علي، صحفي وباحث مختص بشؤون إيران والمنطقة:

 

من مأساة الطبيبة بان زياد إلى الإحصاءات المخفية لحكومة الكاظمي

 

في الأيام الأخيرة، هزّ خبر انتحار الطبيبة العراقية بان زياد (رحمها الله) وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في العراق بشكل كبير. هذه الحادثة، بلا شك، مأساة إنسانية مؤلمة تثير الحزن في كل ضمير حي. لكن السؤال الأهم هو: لماذا حولت بعض التيارات السياسية والإعلامية هذه الحادثة الفردية إلى أداة دعائية ومشروع لزعزعة الاستقرار الاجتماعي وتصفية الحسابات السياسية؟

 

الحقيقة التي لا يمكن إنكارها: الانتحار موجود

الانتحار في العراق -كما في العديد من دول العالم- حقيقة مريرة. لا يقتصر الأمر على الأفراد العاديين، بل يشمل الأطباء وحتى الأطباء النفسيين.

تظهر الدراسات العالمية أن:

    • معدل الانتحار بين الأطباء يتراوح بين 2 إلى 5 أضعاف المعدل العام في المجتمع.
    • الطبيبات الإناث أكثر عرضة للانتحار بنسبة 76% مقارنة بالنساء في المجتمع العام.

 

تُظهر هذه الإحصائيات أن حادثة بان زياد، رغم كونها مؤلمة، يمكن تحليلها ضمن إطار الواقع الاجتماعي والنفسي. المشكلة تبدأ عندما يتم استغلال مثل هذه الحوادث سياسيًا، وتحويلها عن مسارها الطبيعي للتحليل العلمي والعلاج الاجتماعي.

صمت ثقيل أمام إحصائيات حكومة الكاظمي

وفقًا لتقرير المنظمة الدولية للهجرة، في عام 2022 فقط -خلال فترة رئاسة مصطفى الكاظمي للوزراء- تم تسجيل:

    • 1028 حالة محاولة انتحار في العراق.
    • 511 حالة انتحار أدت إلى الوفاة.

 

من بين هذه الحالات:

    • 71% من المحاولين كانوا نساء، و29% رجال.
    • لكن في حالات الوفاة المؤكدة، كان 56% من الرجال و44% من النساء.

 

تُظهر هذه الأرقام بوضوح أن ظاهرة الانتحار في العراق واسعة ومقلقة. لكن لماذا لم يرتفع صوت أي من المدعين اليوم في ذلك الوقت؟ لماذا لم تُشكَّل حملات إعلامية؟ لماذا لم يتحدث أحد عن “حقوق المرأة”؟

الإجابة واضحة: صمٌ بكمٌ عميٌ؛ لأن تلك الأرقام لم تكن تتماشى مع مشاريعهم السياسية.

 

مقارنة مع مأساة المقبرة الجماعية “الخسفة”

لتوضيح التناقض أكثر، يكفي أن ننظر إلى مأساة الخسفة في محافظة نينوى، حيث قُتل أكثر من 20 ألف إنسان بريء على يد داعش ودُفنوا في مقابر جماعية. كان من بينهم آلاف النساء البريئات والمظلومات.

ومع ذلك، فإن الأشخاص أنفسهم الذين يذرفون اليوم دموع التماسيح على وفاة بان زياد، التزموا الصمت إزاء تلك المذبحة التاريخية؛ لا حملات، ولا شعارات، ولا حتى دمعة واحدة.

 

النسوية العراقية: فرقٌ مرير مع العالم

النسوية في العالم تقليديًا تكافح من أجل إنقاذ المرأة من العنف والقتل والاغتصاب. لكن في العراق، تحول جزء من التيار المسمى “النسوي” إلى أداة في يد المشاريع السياسية وحتى الأفكار التكفيرية، تيارٌ يجعل المرأة ضحية، ثم يستغل دماءها لتحريض المجتمع وتصفية الحسابات السياسية.

هذا الفرق المرير يُظهر أن قضية الدفاع عن حقوق المرأة في العراق ليست همًا إنسانيًا حقيقيًا في كثير من الحالات، بل قناع سياسي.

 

حادثة بان زياد: مأساة إنسانية يجب تحليلها

حادثة بان زياد مأساة إنسانية يجب دراستها كجزء من الأزمة الاجتماعية والنفسية في العراق. لكن التضخيم الإعلامي والاستغلال السياسي لها يكشفان عن نفاق بعض التيارات التي التزمت الصمت إزاء آلاف الضحايا في عام 2022 وعشرات الآلاف من ضحايا داعش في نينوى، لكنها اليوم تستغل حادثة فردية لتحقيق أهداف خاصة.

 

الحقيقة واضحة:

 

    • الهدف الأساسي من هذه الحملات ليس إنقاذ النساء ولا معالجة الأزمة الاجتماعية، بل زعزعة استقرار المجتمع وخلق انقسامات سياسية واجتماعية.
    • واجب المجتمع والقانون هو توعية الرأي العام ومواجهة المستغلين للحفاظ على الأمن الاجتماعي في العراق.

 

محاولة تكرار سيناريو “مهسا أميني” في العراق

أحد الجوانب الخفية لهذه القضية هو التشابه الكبير مع قضية مهسا أميني في إيران. في إيران، تحولت حادثة فردية -كانت لها أسباب طبية وقانونية واضحة- على يد وسائل إعلام معادية وشبكات سياسية أجنبية إلى أزمة كبيرة، كان هدفها زعزعة استقرار الجمهورية الإسلامية وخلق انقسام اجتماعي.

 

اليوم في العراق، يتكرر السيناريو نفسه:

    • حادثة شخصية ومؤلمة (انتحار بان زياد) يتم تصعيدها بسرعة إلى مستوى جنجال إعلامي يتجاوز بُعدها الإنساني.
    • الشبكات الأجنبية والتيارات السياسية الداخلية تستغل الحادثة كذريعة لتحريض المجتمع وخلق ثنائية “المرأة المظلومة – النظام القامع”.
    • كما في قضية مهسا أميني، حيث تجاهلت وسائل الإعلام الدولية الحقيقة الطبية وسعت فقط إلى بناء رواية سياسية، في العراق أيضًا يتم تجاهل الحقيقة الاجتماعية (ارتفاع معدلات الانتحار، الأزمات النفسية، والضغوط الاقتصادية) بالكامل.

 

تُظهر هذه الجهود أن مشروع “مهسا أميني” نموذج مُصدّر يُطبق الآن في العراق ودول أخرى، حيث تتحول أي حادثة إنسانية إلى ذريعة للضغط السياسي والحرب النفسية.

 

لكن يجب التذكير بأن القضاء العراقي، منذ البداية، فتح تحقيقًا شفافًا في قضية بان زياد واعتبرها انتحارًا مأساويًا، وليس جريمة قتل منظمة. لم تجد تقارير الطب الشرعي أي دليل على فعل إجرامي أو اغتيال، وأكدت أن سبب الوفاة هو الانتحار. ومع ذلك، تواصل بعض التيارات السياسية والإعلامية تجاهل الوثائق الرسمية، وتسعى إلى تضخيم القضية لاستخدامها في المعركة السياسية وتحريض الرأي العام.

 

هذا الاستغلال الأداتي للمعاناة الإنسانية ليس فقط ظلمًا وغير أخلاقي، بل يكشف أن المجموعات نفسها التي التزمت الصمت إزاء فظائع كبرى مثل المقابر الجماعية في الخسفة، تستغل اليوم مأساة فردية كأداة للتدمير والفوضى.

 

أخيراً:

بناءً على الأدلة والتقارير الرسمية، من الواضح أن حادثة بان زياد كانت مأساة فردية، وقد صنفها القضاء العراقي على هذا النحو. لكن الموجة الإعلامية والسياسية التي أُثيرت تهدف، أكثر من سعيها للحقيقة أو العدالة، إلى خلق انقسام اجتماعي واستغلال سياسي.

 

هذا هو النفاق السياسي بعينه: أولئك الذين التزموا الصمت المطلق إزاء كوارث مثل المقابر الجماعية في الخسفة التي ضمت أكثر من عشرين ألف ضحية، أصبحوا اليوم فجأة مدافعين عن حياة امرأة، ولكن فقط لخدمة مشاريعهم التخريبية.

 

الهدف الأساسي من هذه الحملات ليس دعم حقوق المرأة ولا تحقيق العدالة الاجتماعية، بل هو ضرب استقرار وأمن المجتمع العراقي. لذا، فإن التعامل القانوني الحاسم مع هذه التضليلات يُعد ضرورة ملحة للحفاظ على الاستقرار والتماسك الوطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى