أفول أمريكا… من فيتنام إلى أفغانستان!

نجاح محمد علي، صحفي وباحث مختص بشؤون إيران والمنطقة:
لم تكن الولايات المتحدة يوماً راعية للسلام أو حاملة لمشروع تحرري، بل بنت هيمنتها على جثث الملايين وأنقاض الحضارات. من فيتنام إلى أفغانستان، تتكرر قصة إمبراطورية تتوهم القوة المطلقة، لكنها تصطدم بإرادة الشعوب التي لا تلين. هذه الرحلة ليست مجرد سلسلة هزائم عسكرية، بل انهيار تدريجي لصورة القوة التي صنعتها أمريكا بعناية، مدعومة بآليات إعلامية واقتصادية وسياسية حاولت رسم صورة للعالم على هواها.
فيتنام… كسر أسطورة اللا هزيمة
في غابات فيتنام، لم تكن المعركة صراعاً عسكرياً، فقد كانت حرباً بين رؤيتين: شعب يقاتل من أجل أرضه وكرامته، وقوة عظمى ترى العالم ملعباً لمصالحها. أمريكا ألقت أكثر من 7.5 ملايين طن من القنابل، استخدمت النابالم والوكير، ودمرت أكثر من 4 ملايين منزل، وحرقت القرى، لكنها لم تستطع إخضاع إرادة الفيتناميين. الإحصاءات تشير إلى مقتل أكثر من 3 ملايين فيتنامي، بينما تجاوزت خسائر الجيش الأمريكي 58 ألف قتيل و150 ألف جريح. صور الجنود الأمريكيين وهم يفرون من سايغون عام 1975 كانت هزيمة ميدانية، ولحظة تأريخية كشفت هشاشة الرواية الأمريكية. لقد أدرك العالم، والأمريكيون أنفسهم، أن الإمبراطورية ليست لا تُقهر بل هي نمر من ورق. تلك الهزيمة زرعت بذور الشك في نفوس الأمريكيين، وأيقظت الشعوب الأخرى على إمكانية المقاومة.
العراق وأفغانستان… مستنقعات الإمبراطورية
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، اغترت أمريكا بنفسها كقوة أحادية، فانطلقت تغزو العراق وأفغانستان تحت ذرائع “مكافحة الإرهاب” و”نشر الديمقراطية”. لكن هذه الحروب لم تكن سوى فصول جديدة في مسلسل الاستنزاف.
في العراق، قتل أكثر من 200 ألف مدني بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية، فيما أظهرت تقديرات مركز بيو أن أكثر من 4 ملايين عراقياً نزحوا داخلياً أو خارجياً. بغداد تحولت إلى رمز للفوضى التي زرعتها أمريكا، إذ أسهم الغزو في إشعال صراعات طائفية مسلحة ومقاومة شعبية استمرت لعقدين، مع ظهور جماعات مثل داعش التي استفادت من فراغ السلطة والفوضى الأمنية.
في أفغانستان، قضت واشنطن 20 عاماً وأنفقت أكثر من 2.3 تريليون دولار على الحروب، مع فقدان أكثر من 2,400 جندي أمريكي وجرح 20 ألفًا آخرين، لتخرج في النهاية من كابول عام 2021 في مشهد ذليل كرر صورة سايغون. الطائرات التي تحمل الفارين، والفوضى في المطار، والمعدات العسكرية المهجورة، كلها رموز لإمبراطورية تتهاوى تحت وطأة طموحها الجامح. التقارير الدولية وثّقت انتهاكات واسعة خلال تلك الحروب، بما في ذلك قصف المدنيين ودمار البنية التحتية، ما يثبت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق الهيمنة.
محور المقاومة… تحول المعادلة
لم تعد الشعوب تواجه أمريكا وحدها. من غزة إلى لبنان، ومن اليمن إلى العراق وسوريا، تشكل محور مقاومة متماسك يعيد كتابة قواعد اللعبة. هذا المحور لا يقتصر على الدفاع فقط، بل يمتلك القدرة على الهجوم والردع.
في لبنان، كسر حزب الله أسطورة الجيش الإسرائيلي المدعوم أمريكياً عام 2006، وأظهرت تقارير الأمم المتحدة قدرة الحزب على تغيير مسار المعركة رغم التفوق العددي والتقني للعدو. في اليمن، أظهرت القوات اليمنية، بما في ذلك حركة أنصار الله، قدرتها على تهديد السفن الأمريكية والتابعة للكيان الصهيوني في البحر الأحمر، فضلاً عن تدمير منصات عسكرية متقدمة.
خلال حرب الإثني عشر يومًا الأخيرة، لعبت إيران دورًا محورياً في كسر صورة أميركا العظمى و مرغتها بالتراب، و استمرّت في دعم المقاومة الفلسطينية عبر التمويل والتدريب والإسناد الاستخباراتي واللوجستي، ما عزز قدرة المقاومة على الردع وتحقيق موازنة عسكرية أمام الكيان الصهيوني وأمريكا. هذه القوى لا تقاتل فقط من أجل أراضيها، بل من أجل عالم متعدد الأقطاب، حيث لا مكان للهيمنة الأمريكية المنفردة. هذا التحول الاستراتيجي جعل واشنطن تتردد، إذ أي خطوة خاطئة قد تكلفها خسائر غير مسبوقة.
صعود القوى الجديدة… نهاية الأحادية
العالم اليوم لم يعد أمريكياً خالصاً. روسيا عادت إلى الساحة بقوة عسكرية وسياسية، مع استعراضات صاروخية وتجارب نووية، والصين تتقدم كقوة اقتصادية وعسكرية لا يستهان بها، حيث تجاوز حجم صادراتها العالمية 4 تريليونات دولار سنوياً، ولديها جيش حديث قادر على مشاريع إقليمية وعابرة للبحار. منظمة البريكس تتوسع لتشمل دولاً جديدة، ومعها تتشكل تحالفات اقتصادية وسياسية تقوض النظام الذي قادته واشنطن لعقود. في الوقت ذاته، تحولت المقاومة في المنطقة العربية والإسلامية إلى قوة لها وزنها العسكري والسياسي، وصواريخ غزة الدقيقة أصبحت تحدد قواعد الاشتباك الجديدة. هذه التغيرات ليست أحداثًا عابرة، بل إشارات إلى عالم جديد يتشكل، حيث تفقد أمريكا تدريجياً قبضتها على زمام الأمور.
رمال متحركة… أمريكا في مأزق
كل حرب خاضتها أمريكا في العقود الأخيرة كشفت عن حدود قوتها. في فيتنام، خسرت أمام الفلاحين المسلحين بالإرادة؛ في العراق، غرقت في فوضى خلقتها بنفسها؛ وفي أفغانستان، انسحبت مهزومة بعد عقدين من العجز. اليوم، في مواجهة محور المقاومة والقوى الصاعدة، تجد أمريكا نفسها عاجزة عن فرض إرادتها كما اعتادت. هذه هي هزائم ميدانية، بل هي انهيار لصورة القوة العظمى التي طالما روجت لها. العالم يتغير، والشعوب التي كانت تُعدّ ضعيفة أصبحت اليوم صانعة للتاريخ، بينما تتآكل أسس الإمبراطورية على رمالها المتحركة.