حروب أمريكا بالوكالة… دماؤنا وقود هيمنتها

حوراء المصري:
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى يومنا هذا، لم تتوقف الولايات المتحدة عن خوض معاركها، إلا أن هذه الحروب كانت ولا زالت تحصل بطريقةٍ مختلفة؛ فلم تُخَض عبر جنود ودبابات، وإنما كانت تُدار من خلف الستائر.
اعتمدت واشنطن سياسةً جديدة للحفاظ على قوتها وسيطرتها على العالم، والتي صارت فيما بعد ركيزة أساسية في استراتيجيتها، إنها “الحروب بالوكالة”، والتي استخدمتها أمريكا في الكثير من حروبها، ولا سيما في “أفغانستان واليمن وسوريا والعراق” في الشرق الأوسط، وحرب “أوكرانيا” في أوروبا.
فالسؤال الذي يطرح نفسه: ما هي حروب الوكالة؟ ولماذا تستخدمها الدول الكبرى، ولا سيما أمريكا؟
الحرب بالوكالة… راحة الجيوش
تُعرَّف الحرب بالوكالة على أنها نوع من الحروب التي تستخدمها الدول الكبرى دون التدخل المباشر الذي يستهلك أرواح جنودها ومواردها العسكرية، بل تُدار عن بُعد عبر أطراف ثالثة كحكومات وجماعات مسلحة، أو حتى عن طريق الحركات الثورية. فتقدّم لهم الدعم المالي والتسليح والتدريب، فضلًا عن القدرات الاستخباراتية التي تؤهلهم لخوض حربٍ طاحنة على الأرض.
إن هذا النوع من الحروب يحمل أهدافًا تطمح الدول الكبرى لتحقيقها، مثل فرض سيطرتها على الموارد وممرات الطاقة، أو كبح نفوذ منافسيها، فضلًا عن استخدامها كساحة تجارب لاختبار أسلحتها الجديدة.
وقد بيّنت هذه الحروب أن الهدف الرئيسي الذي تسعى له أمريكا ومن معها هو تسويق سلاحها وإنعاش اقتصادها العسكري، وهذا لا يكون إلا بواسطة تخريب بعض الدول كاليمن وسوريا والعراق، فضلًا عن أفغانستان، وبثّ المنظمات الإرهابية فيها كداعش والنصرة.
السؤال الأهم: كيف تدير واشنطن هذه الحروب من بعيد دون أن تقع مباشرةً في أنيابها؟
حروب واشنطن… خلف الكواليس
تُعد واشنطن من أكثر الدول التي تستخدم هذا النوع من السياسة، والذي يجعلها تلعب دور الرجل الخفي، فتُدير الحروب دون الظهور للواجهة، وعندما تظهر، تبدو بدور المنقذ أو الرجل الدبلوماسي الذي لا يحب خوض الحروب، إلا أن الواقع عكس هذا المظهر الخادع.
فواشنطن تتبع آليات غير مباشرة لإدارة هذه السياسة، مثل: الدعم العسكري غير المباشر عبر صفقات ضخمة، أو عن طريق شحنات سرية تُرسل للفصائل الإرهابية. كما تدرب التنظيمات في قواعدها العسكرية الخارجية أو داخل المنطقة المراد تخريبها (كتدريب المعارضة السورية في الأردن وتركيا).
تستخدم أمريكا طائرات “الدرونز” لتصفية شخصيات مهمة قد تعيق حربها الخفية، دون التعرض لخسائر بشرية. وحرب أمريكا لا تقتصر على تقديم الدعم العسكري، إنما تستخدم استخباراتها، فتُوظف الـ CIA والبنتاغون في إنشاء وتمويل غرف العمليات مثل غرفة “الموك” في الأردن لدعم المعارضة السورية، فضلًا عن توظيفها الأقمار الصناعية للتنصت الإلكتروني على منافسيها ومعرفة خططهم المقبلة.
ولم تكتفِ واشنطن بكل هذا، فنسجت تحالفات إقليمية ساعدتها في حروبها، فدفعت السعودية والإمارات إلى واجهة الحرب ضد اليمن، فيما اكتفت بتقديم الدعم السياسي واللوجستي. أما في أوكرانيا فحرّكت حلف الناتو لتقديم السلاح والتدريب، وبقيت هي قائدًا في الخلف.
إن واشنطن تدرك قوتها الاقتصادية التي توفر لها ثِقَلًا دبلوماسيًا أمام دول العالم بأسره، فاستغلت هذا الأمر لصالحها، وفرضت عقوبات ضد الأنظمة المستهدفة، كما عملت على عزل خصومها من المحافل الدولية، كعزلها لليمن من مجلس الأمن.
كما عملت على تمويل وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني لترويج رواية معينة عن الحرب.
إن أمريكا دائمًا ما تبقى بعيدة عن ساحات القتال، فخيوطها تمتد لتصل إلى قلب كل صراع، فتحرك الآخرين كما تشاء دون الظهور للواجهة. ولكن كيف يبدو هذا الأمر على أرض الواقع؟
من أفغانستان إلى اليمن… الموت بالنيابة عن واشنطن
الحروب بالنيابة ليست مجرد مفهوم نظري، بل تترك بصمتها على أرض الواقع. فيمكن ملاحظة أثرها في العديد من الصراعات القديمة والحديثة، حيث استخدمت الولايات المتحدة حلفاءها لتنفيذ مصالحها بعيدًا عن الصدام المباشر.
ففي حرب أفغانستان مثلًا، موّلت المجاهدين الأفغان لمقاومة الغزو السوفيتي، وزودتهم بالسلاح والقدرات الاستخباراتية عبر باكستان، وكانت النتيجة انسحاب السوفييت ودمار الشعب الأفغاني، فهم من دفعوا الثمن الأكبر: الدمار واللاجئون، فضلًا عن ظهور الجماعات المتطرفة لاحقًا، والتي فتحت أبواب حرب جديدة، وهذا كله بسبب ما يُعرف بالرجل الخفي: “أمريكا”.
زادت هيمنة أمريكا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، فتصورت واشنطن أنها القوة الوحيدة المتبقية، فأخذت تغزو البلدان بحجة القضاء على الإرهاب، الذي هي نفسها من أنشأه.
الإرهاب… حجّة أمريكية للهيمنة
غزت أمريكا العراق عام 2003 بعد أفغانستان بحجّة “القضاء على الإرهاب”، إلّا أنّها صُدمت بمقاومة شرسة لا تقبل بالهيمنة الأجنبية. وحينها أخذت تدعم الإرهابيين مثل تنظيم القاعدة وداعش، وكل ذلك كان بسبب دعم إيران للمقاومة العراقية. فاضطرت واشنطن إلى خوض حرب فعلية مع بعض الفصائل العراقية التي رفضت وجودها في المنطقة، وبعد أن قضت هذه الفصائل على تنظيم داعش، وجدت أمريكا نفسها مُستنزفة القوى وتعرّفت إلى حجمها الحقيقي في المنطقة، ما جعلها تُخفّف ظهورها في الشارع العراقي وتصبح حبيسة القواعد العسكرية.
إن هذا الفشل لم يكن في العراق وحده، بل كذلك في أفغانستان، حيث خرجت أمريكا ذليلة من كابول عام 2021. وكان الانسحاب فوضويّاً، ترافق مع مشاهد في مطار كابول أظهرت محاولات هروب يائسة للموظفين الغربيين. وقد كشف سقوط الهيمنة الأمريكية في أفغانستان هشاشة حلفائها المحليين، وخسرت واشنطن المليارات في هذه الحرب، فضلاً عن خسائرها العسكرية التي توزعت بين جنود وأسلحة.
ورغم هذه الخسائر، لم تتأثر أمريكا كثيراً بفضل حلفائها، وعلى رأسهم السعودية، التي تهب واشنطن المليارات كل عام. وهنا يبرز السؤال: من هو المتضرر الحقيقي من هذه الحروب؟ هل هي أمريكا بخسائرها المادية، أم الشعوب المستضعفة التي تقع فريسةً للحروب الأمريكية؟
الشعوب… تدفع ثمن الاستكبار
كما شهدنا في كل حرب بالوكالة، فإن الضحية الأولى هي الشعوب. استكبار واشنطن يفتك بأرواح المستضعفين ويخلّف دماراً هائلاً في البلدان والمناطق، فضلاً عن تدمير البنى التحتية، كما حدث في سوريا واليمن وأفغانستان. كذلك انتشرت الأمراض بمختلف أنواعها، وكثر النزوح واللجوء. كل هذا بسبب أمريكا وحلفائها الذين يدمّرون الأوطان دون أن يعيروا أي اهتمام لمعاناة الشعوب.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى طرح سؤال مهم: من هم المستفيدون الحقيقيون من هذه الحروب؟
التجارة العسكرية… المستفيد الحقيقي من الحروب بالوكالة
كلما اشتعلت حرب، نشطت صفقات الشركات العسكرية وفاضت بالأموال. دماؤنا تُسفك وبلادنا تُدمّر، بينما تقتنص شركات تصنيع السلاح الفرصة لتقديم نفسها كمورد عالمي موثوق. ليس الأمر مقتصراً على بيع الأسلحة، بل يشمل أيضاً إدارة الدعم اللوجستي والتدريب، ما يوفّر أرباحاً إضافية لشركات مثل “لوكهيد مارتن” و”بوينغ”، التي تحقّق مليارات الدولارات سنوياً من هذه الأنشطة. وهكذا تمنحهم الحروب استقراراً مالياً طويل الأمد، وتُعد فرصة ذهبية للربح الصناعي، لتُثبت أن بعض الأطراف تجني ثروات طائلة على حساب معاناة الشعوب.
أخيراً، لقد كشفت الحروب بالوكالة للشعوب الوجه الحقيقي لأمريكا التي تُقدّم نفسها كـ”سيّدة الديمقراطية”، بينما هي في الواقع تستغل أوجاع الناس لتحقيق مصالحها. وكما رأينا في أفغانستان واليمن وسواهما من الدول، فإنّ الشعوب التي وقفت في وجه الهيمنة الأمريكية أفشلت مخطّطاتها وأسقطت حلمها بالسيطرة على العالم.