دعمُ الإمامِ الخامنئيّ للفِردوسي في سياقِ الدفاعِ عن إيران
سيرة قائد الثورة هي دعمه لفردوسي والثناء عليه، وسبب ذلك تجلي ايران الاسلامية في حكم الشاهنامة

نقلاً عن الموقع الإخباري «صداى سما»؛ بمناسبة الإهانة التي وجهها أحد الهجّائين على منصات التواصل إلى الشاهنامه وفردوسي، وبالواقع إلى إيران، سنعرض بعضاً من آراء قائد الثورة حول هذا الحكيم الإيراني الشهير لِنفهم بصورة أوضح ما الذي أُهين ولماذا.
أول نقطة يمكن القول بها عن موقف قائد الثورة تجاه فردوسي هي ألفة الإمام الخامنئي مع هذا الحکيم الناطق بالفارسية. لقد صرّح في هذا الصدد قائلاً: «أنا مأنوس بالشاهنامه.»\[1]
تلك الألفة التي يكنّها الإمام الخامنئي للشاهنامه ينبغي أن تُنسب إلى معرفته العميقة بهذا العمل الفذ لحکيم ابوالقاسم فردوسي؛ ومن ثم سنبدأ بتقديم فردوسي والشاهنامه من منظار قائد الثورة ثم نعرض الثمرات المترتبة على ذلك.
فردوسي والإسلام
يعتبر قائد الثورة فردوسي حكيماً، ويرى أن حكمته إلهية وإسلامية. ويشير إلى أن فردوسي «سيد الكلام؛ له لغة متينة وثابة، وهو بالفعل أب لغة الفارسية اليوم»؛ ويعرضه كمنغمس ومفتون بمفاهيم الحكمة الإسلامية ويؤكد أنه يجب أن تُنظَر الشاهنامه من هذه الزاوية.
ويضيف في هذا الشأن: «فردوسي يبدأ منذ البداية باسم الله — “بسم الله رب النفس والعقل، الذي لا يعلو عليه فكر” — وحتى النهاية كذلك؛ انظروا إلى فردوسي بهذه العين.»\[2]
ويعتقد الإمام الخامنئي أنه «إذا نظر أحد إلى الشاهنامه، سيرى تياراً يتراوح أحياناً بين ضيق وخفي وأحياناً بين واسع، يتمثل في روح التوحيد والتوكل والثقة بالله والثقة بالحق والجهاد في سبيل الحق ممتداً في أرجاء الشاهنامه. هذا يمكن استخراجه ورؤيته وفهمه… قلت مرة إن ’اسفنديار‘ مثل هؤلاء الشباب حزب اللهيين اليوم! في ثقافة الشاهنامه يوجد حزب اللهي شجاع، دينطلب، مناضل.»\[3]
ويرى قائد الثورة أن رواج الشاهنامه في إيران وبين الأجيال السابقة دليل على توافقها مع المفاهيم الإسلامية؛ وهو يصرح قائلاً: «هل تظنون أنه لو كان في شاهنامه فردوسي شيء يتعارض مع المفاهيم الإسلامية لانتشر بهذا الشكل في المجتمعات الإسلامية؟ تعلمون كم كان الناس متدينين في تلك الأجيال الماضية. في أي بيت أو أي قرية أو أي حي لم تكن الشاهنامه موجودة أو لم تُقرأ؟ كانوا يقرؤونها في كل مكان ولم يروا فيها تعارضاً مع المفاهيم الإسلامية.»\[4]
إيران في مرآة شاهنامه فردوسي
يؤكد الإمام الخامنئي أن حكمة الشاهنامه عند حکيم ابوالقاسم فردوسي ليست حكمة اوستائية بل حكمة قرآنية، ويقول: «إذا دقق أحد في الشاهنامه سيجد أن فردوسي قد نظَمَ إيران لكن بنظرة مسلم؛ بل بنظرة مسلم شيعي. عرض حياة الأبطال والفرسان والشخصيات الإيجابية مثل رستم واسفنديار في الشاهنامه متجذّر وله بروز في الفكر الإسلامي. بالمقابل، الشخصيات السلبية مثل الترك وبعض السلاطين ككيكاووس هي شخصيات نُقِضَت بوضوح في التفكير الإسلامي. فما هي الفكرة الاوستائية؟ وأين الشيء الذي يبرهن على الحكمة الاوستائية؟ زمن فردوسي لم يكن أكثر من الآن. إذن الحكمة القرآنية هي ذاتها الحكمة الوطنية المحلية الإيرانية.»\[5]
حكمة فردوسي
جوهر ما سبق من حديث عن موقف قائد الثورة تجاه فردوسي هو تأكيده على حِكمة فردوسي.
يقول الإمام الخامنئي، مشيراً إلى أنه لا يُسمى الحكاواتي الحكيم بالضرورة: «هذا ’الحكيم‘ لم نقله نحن؛ بل أصحاب الفكر والاعتبار عبر الزمن سمّوه حكيماً. شاهنامه فردوسي مليئة بالحكمة. لقد كان إنساناً يزخر بمعارف دينية نقيّة.»\[6]
ومن ثم فإن سبب وصف فردوسي بالحكيم من منظور قائد الثورة هو تمتّعه بـ«معارف دينية نقيّة»؛ ومن وجهة نظره «في عمق حكايات فردوسي مُضمَّنة حكمة؛ تقريباً في كل الحكايات أو في كثير من حكايات فردوسي توجد حكمة؛ ولهذا يسمّونه حکيم فردوسي.»\[7]
وعلى هذا الأساس يصف قائد الثورة حكمة فردوسي بأنها إلهية، إسلامية، وقرآنية، فيقول: «لا تظنوا أن في حكمة فردوسي ذرة من الحكمة الزرادشتية. عندما يمدح فردوسي اسفنديار، فهو يركز على تدينه. تعلمون أن اسفنديار كان رجلاً متعصّباً دينياً وواعظاً حاول نشر الطهارة الدينية في كل أنحاء إيران. صورة اسفنديار هي صورة حزب اللهيين اليوم؛ رجل شجاع وجريء ودينياً، مستعد لأن يخاطر للحفاظ على المبادئ التي يؤمن بها، وأن يمرّ بسبعة تقلبات ويقاتل حتى مع رستم. عندما تدرس الشاهنامه ترى أن فردوسي يؤكّد على هذا الجانب من تدين اسفنديار وطهارته الأخلاقية.»\[8]
الإمام الخامنئي ومنع تخريب قبر فردوسي
دعم الإمام الخامنئي لفردوسي، شأن محبّته لإيران، ليس أمراً جديداً، ويعود على الأقل إلى أيام أوائل الثورة الإسلامية.
أول إجراء قام به الإمام الخامنئي بعد الثورة في سبيل دعم فردوسي كان منع مجموعة من الأشخاص غير المطلعين من تخريب قبره.
يروي قائد الثورة الحادثة هكذا: «في أول الثورة ذهب بعض الناس المتدينين لكن غير المطلعين ليرمّموا قبر فردوسي في توس في مسعى لتخريبه! عندما علمت بالأمر كتبت شيئاً وأرسلته فوراً إلى مشهد؛ فوُضع على قبر فردوسي، لا أدري إن كان لا يزال هناك أم لا. فإذا رأى الشباب المتشددون الذين يذهبون إلى هناك شهادتي تُوضع أمام أعينهم، تراخوا وتقبلوا الأمر ولم يفعلوا شيئاً ضد فردوسي!»\[9]
أمر قائد الثورة بإبراز مكانة فردوسي
يقول قائد الثورة صراحة: «أكْبِروا فردوسي. يجب أن يُكبَّر فردوسي؛ فردوسي في القمة.»\[10] ويضيف موافقته على التكريم قائلاً: «لتُحلّل الشاهنامه وتُستخرج حكمة فردوسي حتى يعلم الجميع أن هذه الحكمة إسلامية أم غير إسلامية. هذا التكريم الذي أُقيم كان بناءً على أمري ورغبتي.»\[11]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله أنّه تيسّر لي خلال زيارة الصيف لمشهد المقدسة من جهة الوفاء بالصلاة الاطلاع على قبر فردوسي الكبير والمشهور في مدينة توس التاريخية المليئة بالقصص. ورغم أنني قد رأيت ذلك القبر وبعض الآثار التاريخية الأخرى هناك في الماضي، إلا أنني هذه المرة أمعنت النظر فيه أكثر بسبب اهتمامي بالجانب الثقافي والتاريخي المهم، وبسبب الأعمال الجيدة من توسيع وجماليات أُجريت فيه، وكذلك بسبب الأخبار المؤلمة التي وصلتني عن نهب مخزون نادر موجود في هذه المنطقة؛ فاطلعت عليه بدقة ومع دافع وحماس مضاعف، والآن أشعر أن على الحكومة أن تجاهد في هذا المجال وأن ما جرى إلى الآن أقل بكثير من اللازم.
على أمل المتابعة ومع الشكر للمسؤولين والباحثين
سيد علي خامنئي
75/4/19
خلاصة النظر فيما قاله قائد الثورة عن شخصية فردوسي هي أن شاهنامه يحمل أعمق المعارف الإسلامية والقرآنية، وأنه يعزّز في المتلقي روح التوحيد، والثقة بالله، والتوكّل على الربوبية، ويبرز نموذج المقاتل والمتديّن مثل اسفنديار. كل هذه عناصر كانت سبباً في انتصارات إيران على أعدائها عبر التاريخ وخاصة بعد الثورة الإسلامية، واليوم حين يحقق الإيرانيون انتصاراً كبيراً آخر على أشرس أعدائهم أي الصهيونية العالمية، تصبح الإهانة لفردوسي والشاهنامه أمراً أكثر وضوحاً بالنسبة لنا. والعدو يريد من خلال تخريب رموز إيران مثل الشاهنامه وفردوسي أن يهدم في النهاية إيران ذاتها.
\[1] – كلمات في زيارة معرض المصغرات والرسم، في حسينية الإمام الخميني؛ 6 شهریور 1372
\[2] – نفس المرجع
\[3] – كلمات خلال لقاء مجموعة من أعضاء جمعية القلم؛ 8 بهمن 1381
\[4] – كلمات خلال لقاء أعضاء مجموعة الأدب والفن في اذاعة جمهورية إيران؛ 5 اسفند 1370
\[5] – كلمات في زيارة معرض المصغرات والرسم، في حسينية الإمام الخميني؛ 6 شهریور 1372
\[6] – كلمات خلال لقاء مجموعة من الشعراء؛ 24 مرداد 1390
\[7] – كلمات خلال لقاء مجموعة من الشعراء وأهالي الثقافة والأدب؛ 30 اردیبهشت 1398
\[8] – كلمات خلال لقاء أعضاء مجموعة الأدب والفن في اذاعة جمهورية إيران؛ 5 اسفند 1370
\[9] – كلمات خلال لقاء أعضاء مجموعة الأدب والفن في اذاعة جمهورية إيران؛ 5 اسفند 1370
\[10] – كلمات خلال لقاء مجموعة من أعضاء جمعية القلم؛ 8 بهمن 1381
\[11] – نفس المرجع