القسم السياسي

الثورات العربية بين الماضي المشرف والحاضر المزيف!

✍️ حوراء المصري:

 

هل كانت الثورات العربية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة نابعة من الداخل العربي، أم أنها مجرد سيناريوهات تُكتب بأيدٍ غربية لتفكيك المنطقة وإعادة تشكيلها بما يخدم مصالحها؟

منذ أن عاشت الدول العربية ما يسمى بـ”الربيع العربي”، والذي كان يُفترض أن يحقق العدالة والحرية لشعوب المنطقة، أصبحت الساحة العربية مليئة بالانقسامات السياسية والنزاعات المسلحة. تحولت الهتافات إلى فوضى عارمة، فسقطت حكومات، واندلعت حروب أهلية فتكت ببعض الدول العربية. بالطبع، استغل الغرب هذا الوضع وتوغّل في منطقة الشرق الأوسط، التي تحولت إلى مسرح للأمريكيين والبريطانيين وغيرهم من القوى الغربية. هذه السيطرة دفعت بعض المثقفين العرب، الذين ما زالوا يحملون روح الثورة الحقيقية، إلى طرح السؤال الجوهري:
هل افتقدت هذه الثورات جذورها الأصلية وأصبحت تُدار بأجندات غربية؟


ماضٍ عربي مشرف

إذا عدنا إلى التأريخ العربي، نجد أن الثورة نشأت من مشاعر الشعوب الرافضة للاستعمار بكل أشكاله. الثورة المصرية 1919، ثورة العشرين في العراق ضد الإنجليز، الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين 1925، والثورة الجزائرية 1954 التي استمرت حتى إعلان الاستقلال… كلها كانت حركات داخلية نابعة من إرادة الشعوب العربية الحرة الرافضة للاحتلال والسيطرة، وقادتها رموز محلية قريبة من معاناة الناس.

يمكن القول إن الانتفاضات السابقة كانت حقيقية وصنعتها إرادة الشعوب في الحصول على الحرية والعدالة. هذا ما يجعلنا اليوم أمام مقارنة حادة: ثورات الأمس أصيلة ومشرفة، بينما ثورات اليوم تبدو أقرب إلى مشاريع غربية تُدار بوجوه عربية ولكن بدوافع أمريكية.


الربيع العربي وعودة الاستعمار الغربي

حين اندلع الربيع العربي، بدا وكأن الشعوب تستعيد قوتها السابقة. خرج الملايين إلى الساحات مطالبين بالحرية والعدالة. المشهد كان استثنائياً في بداياته، إذ سقطت حكومات بسرعة، وامتلأت الشوارع بالهتافات المبشرة بفخرٍ جديد.

لكن سرعان ما تحولت الهتافات إلى صراعات داخلية. سقط الحكم في تونس ومصر، واشتعلت الحروب الأهلية في اليمن وليبيا وسوريا. تحولت الساحات من ميادين تطالب بالعدالة والحرية إلى ساحات حرب إقليمية ودولية.

الربيع العربي الذي كان أمل الشعوب، انعكس ضدها. لم يحقق الحرية ولا الكرامة، بل فجّر الفتن، وفتح أبواب الفوضى، فصار السؤال: هل كانت هذه الثورات أصيلة حقاً أم أنها حُرّفت لتخدم مصالح دول كبرى؟


الغرب… سُمّ في جسد الدول العربية

لم يغب الغرب عن المشهد، بل استغل ضعف الدول التي غرقت في الفوضى. الإعلام الغربي عمل على توجيه الرأي العام بما يخدم مصالحه، حتى لو كان ذلك على حساب دماء الشعوب.

سياسياً، نشطت القوى الغربية في بعض الدول، فدعمت أطرافاً مسلحة في ليبيا حتى سقط النظام، ثم تركت البلاد تواجه فراغاً أمنياً وسياسياً. في سوريا واليمن، كانت التدخلات أعقد، حيث مولت تنظيمات وفصائل لزعزعة الداخل.

إذا تأملنا نجد أن التدخل الغربي لم يكن نصرة للشعوب، بل لحماية مصالحه. فالسعودية والبحرين مثلاً شهدتا مظاهرات، لكن الغرب لم يتدخل؛ لأنهما حليفتان. أما الدول التي تقف ضد مصالحه، فقد تحولت إلى ساحات حرب مدمرة.


غياب الرموز الوطنية… وانحراف البوصلة

في الماضي، كانت الثورات تقاد بقيادات وطنية أصيلة مثل أحمد عرابي، أحمد بن بلة، وسلطان باشا الأطرش. أما اليوم، فقد تلاشت هذه الرموز. الانقسامات السياسية، الحروب الأهلية، والفراغ القيادي سمحت للقوى الخارجية بملء الفراغ. فتحوّل المشروع الوطني إلى مشاريع غربية تُدار من الخارج.


الثورات المسيسة ونتائجها على الأمن العربي

أهم نتائج هذه الثورات كانت تفكك الدول وانهيار مؤسساتها. ليبيا وسوريا أبرز الأمثلة. تحولت الثورات السلمية إلى صراعات مسلحة، بتدخلات إقليمية ودولية، وأدت إلى تهجير وقتل الملايين.

كما أثرت على الاقتصاد والخدمات الأساسية، فارتفعت معدلات الفقر والبطالة، وزادت الهجرة. لم تجلب هذه الثورات الاستقرار ولا العدالة، بل جعلت بعض الدول مسرحاً لصراعات طويلة الأمد.


الخاتمة: ثورات بلا سيادة… مشاريع بلا حرية

الثورات الحقيقية لا تُستورد من الخارج، ولا تُدار من عواصم الغرب. الثورة مشروع وطني خالص، ينبع من وجع الشعب ويُبنى على قيادته الأصيلة.

اليوم، وبعد كل ما جرى، صار لزاماً علينا أن ندرك أن الغرب لا يمنح الحرية، بل يفرض الوصاية. لا يزرع العدالة، بل يستثمر في الفوضى. لا يدعم الثورات، بل يصنع مشاريع تقسيم وتفتيت.

إذن، لا حرية بلا استقلال، ولا كرامة بلا سيادة، ولا ثورة بلا قيادة وطنية.
فإما أن نكتب مستقبلنا بأيدينا، أو سيكتبه الغرب بمداد دمائنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى