إيران أمام خيار مصيري: هل الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT) تهديدٌ أم حقٌّ سيادي مشروع؟

نجاح محمد علي، صحفي وباحث مختص بشؤون إيران والمنطقة:
إيران أمام خيار مصيري:
الخروج من معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT)… تهديد أم حقّ سيادي مشروع؟
في مواجهة عدوان متعدد الأوجه يجمع بين الحصار الاقتصادي، واغتيال العلماء، والضغوط النووية، تقترب الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم، أكثر من أي وقت مضى، من اتخاذ قرار تاريخي: الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT).
الخيار الذي كان يُناقَش خلف الأبواب المغلقة بات اليوم يُطرَح علناً؛ حيث أعلن منوشهر متكي، النائب في البرلمان ووزير الخارجية الأسبق، عن تسجيل رسمي لمشروع انسحاب من المعاهدة في المنصة التشريعية لمجلس الشورى الإسلامي، مؤكداً أنّه في حال تفعيل “آلية الزناد” من قبل الأطراف الغربية، فلن يستغرق تمرير القانون أكثر من 24 ساعة.
🔍 معاهدة NPT: من مظلة قانونية إلى أداة استعمار عصري
عقد مضى على توقيع الاتفاق النووي، وعقود على عضوية إيران في NPT.
ورغم الالتزام الإيراني الكامل، قوبلت طهران بنكث الغرب لوعوده، وانسحاب أميركي أحادي الجانب من الاتفاق، وعقوبات جماعية بلا سند قانوني.
اليوم، تحوّلت المعاهدة – التي أُنشئت لمنع انتشار الأسلحة النووية – إلى أداة سياسية لفرض الإرادة الغربية على الدول المستقلة، بينما تُستثنى أنظمة مثل الكيان الصهيوني من أي مساءلة أو التزام.
لم ترتكب إيران أي خرق حقيقي، لكنها تواجه تهديداً بإعادة العقوبات الأممية تحت ما يُسمى بـ “آلية الزناد”، وكأنّ القانون الدولي يُعاد كتابته وفق أهواء العواصم الغربية.
⚠️ تجربة كوريا الشمالية: درس لا يُنسى
في عام 2003، انسحبت كوريا الشمالية من معاهدة NPT بعد سنوات من الضغط والمماطلة الغربية.
وُعِدت برفع العقوبات إن التزمت… فالتزمت، لكنها خُدعت.
فقررت الانسحاب، أغلقت أبوابها، وطوّرت برنامجها النووي حتى أصبحت اليوم دولة نووية بمعنى الكلمة، تفاوض من موقع القوة، لا تحت التهديد.
فهل يريد الغرب لإيران أن تسلك الطريق ذاته؟
إذا أُغلِق باب التفاهم، ولم يُحترَم القرار السيادي الإيراني، فإنّ سيناريو كوريا الشمالية لن يبقى احتمالاً، بل سيصبح واقعاً لا مفرّ منه.
🧠 إيران لا تسعى لامتلاك السلاح النووي… لكنها لن تقبل الإذلال
لطالما أكّد قادة الجمهورية الإسلامية أنّ امتلاك السلاح النووي يتنافى مع المبادئ الدينية والأخلاقية للنظام، وأنّ فتوى قائد الثورة تُحرّمه بوضوح.
لكنّ الصبر اللامحدود على الإهانات والضغوط ليس قراراً عقلانياً.
فإذا أصبحت معاهدة NPT سيفاً مسلطاً على رقبة إيران، فليس فقط من حقّها، بل من واجبها الانسحاب، وإغلاق الباب، والتحرر من قيود التفتيش الانتقائي والمساومات المهينة.
💣 الكيان الصهيوني: ترسانة نووية تحميها صمت العالم
في المقابل، لا أحد يتحدث عن ترسانة الكيان الصهيوني النووية، التي تحتوي على عشرات الرؤوس النووية:
• هذا الكيان لم ينضمّ أبداً إلى معاهدة NPT
• ولم يخضع لأي تفتيش دولي
• ولم يُحاسَب على مفاعله السري في ديمونا
• لم يُهدَّد بآلية الزناد ولا فُرِضت عليه عقوبات
أي عدالة هذه التي تُضيّق على دولة ملتزمة كإيران، بينما تُبارك جرائم كيان يُمارس القتل الجماعي بحق الفلسطينيين يومياً؟
🛑 الرسالة واضحة: السبيل الوحيد لمنع إيران من التحول إلى قوة نووية هو احترام إرادتها
الحقيقة التي يفهمها كل عاقل:
إنّ الطريقة الوحيدة لضمان بقاء البرنامج النووي الإيراني ضمن الأطر السلمية، هي التعامل بعدالة واحترام، ومنح طهران حقوقها السيادية والتقنية الكاملة.
إيران لا تحتاج إلى سلاح نووي كي تكون قوة إقليمية كبرى، لكنها أيضاً لن تبقى في اتفاقات يخرقها الآخرون، وتُطالَب وحدها بالالتزام بها.
• إن أراد الغرب اتفاقاً جديداً، فليأتِ بندية واحترام، لا بتهديد وعقوبات
• إن أراد التفتيش، فليبدأ من ديمونا ومواقع الكيان الصهيوني السرّية
• إن أراد الاستقرار في المنطقة، فليوقف تسليح الكيان الصهيوني ويضع حداً لإبادته الشعب الفلسطيني
🔥 ما بعد الانسحاب: لا عودة إلى الوراء
إذا انسحبت إيران من NPT، فلن تكون هناك عودة سهلة.
هذا القرار يعني:
• تحرّر البرنامج النووي الإيراني من الالتزامات الدولية
• إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة
• إنهاء فعالية أدوات الابتزاز الغربية
إنه قرار استراتيجي… لكنه أيضاً فعل تحرر، لكسر حلقة الضغط والخداع التي خيّمت على هذا الشعب طوال أربعة عقود.
📩 رسائل إلى من يجب أن يسمع:
• إلى الأوروبيين: نفاقكم لن يُنقذ الاتفاق، بل سيدفنه. من لا يجرؤ على مواجهة الكيان الصهيوني، لا يحقّ له فرض شروط على طهران.
• إلى واشنطن: أنتم من انسحب من الاتفاق؛ لا تتوقعوا من إيران أن تبقى معلقة بانتظار نوايا حسنة لم تظهر منذ 1979.
• إلى الصهاينة: الرد قادم… وإن لم يكن نووياً، فسيكون أشدّ إيلاماً.
• إلى حلفاء أمريكا في المنطقة: من صمتوا على اغتيال العلماء الإيرانيين، لن يُسمع لهم صوت حين تشتعل نيران الحرب غداً.
🇮🇷 إيران لا تهدّد… بل تكتب التاريخ
الانسحاب من معاهدة NPT ليس إعلان حرب، بل إعلان ولادة جديدة. ولادة ترتكز على الإرادة، وتحرّر الكرامة.
وإذا تمّ تفعيل “آلية الزناد”، فلن تندلع فقط عاصفة عقوبات، بل سيُفتَح باب جديد سيُغيّر معادلات القوة، ويُعيد رسم خريطة المستقبل—بإيران واقفة شامخة على قمة اختيارها.
إيران اليوم عند مفترق طريق: إما احترام، أو انسحاب.
ولا مكان بعد الآن للطريق الوسط.